والماء الذي ينزل من السماء في كل لحظة في العالم يعرفه كل إنسان، ويراه كل إنسان، ولكن أكثر الناس يمرون عليه ويمر بهم، وهم في غفلة لا يذكرون من خلقه وأنزله وقسمه، وذلك لطول الإلفة والتكرار: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) } [يوسف: 105] .
والله سبحانه ينزل الماء بقدر إلى الأرض، لا يزيد فيغرق الأرض ومن عليها،
ولا يقل فتجف الأرض، وتذبل الحياة ويهلك من عليها: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) } [الحجر: 21] .
فالله أنزل الماء بقدر معلوم، ليحيي به الأرض بعد موتها، ويسقي به العباد والبهائم، وليدل على البعث والنشور.
فالذي أنشأ الحياة أول مرة، كذلك يعيدها سبحانه، والذي أخرج الأحياء أول مرة من الأرض الميتة، كذلك يخرج الأحياء منها يوم القيامة: {وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11) } [الزخرف: 11] .
فسبحان من خلق هذه المياه العظيمة، وصرفها في البلاد والعباد، وجعل منها ما يجري في جو السماء، ومنها ما يجري على ظهر الأرض كالأنهار، وما يستكن في باطن الأرض، وما يستقر في البحار، وما ينبع من الأرض.
وسبحان من خلق الماء نوعاً واحداً، وجعل منه الحار والبارد .. والحلو والمر .. والعذب والمالح .. والساكن والجاري .. والسائل والجامد.
ومنه ما يعيش فيه هذا النبات، وهذا الحيوان، ومنه ما لا يعيش فيه إلا هذا النبات وهذا الحيوان، كما في البحار والأنهار.