فهرس الكتاب
وينبعث إلى الدماغ منه ما يناسبه في اللطافة والاعتدال.
وينبعث منه إلى العظام والشعر والأظافر ما يغذيها ويحفظها.
وبنبعث من الباقي إلى بقية الأعضاء كل بحسبه.
ولما كان الغذاء يستحيل في المعدة إلى دم، ومرة سوداء، ومرة صفراء، وبلغم، اقتضت حكمة العزيز الحكيم أن جعل لكل واحد من هذه الأخلاط مصرفاً ينصب إليه ويجتمع فيه، ولا ينبعث إلى الأعضاء الشريفة إلا أكمله.
فوضع سبحانه المرارة مصباً للمرة الصفراء .. ووضع الطحال مقراً للمرة السوداء .. والكبد تمتص أشرف ما في ذلك وهو الدم، ثم تصفيه وتبعثه إلى
جميع البدن من عرق واحد، ينقسم إلى مجار كثيرة، يوصل إلى كل واحد من العروق والأعصاب والعظام والشعور ما يكون به قوامه.
فسبحان الملك الحق ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة.
وإذا كان هذا صنعه في قطرة ماء مهين، فكيف صنعه في ملكوت السموات والأرض؟.
وكيف شأن كرسيه وعرشه العظيم؟.
وكم تكون عظمة الجنة التي خلقها؟ .. والنار التي سعرها؟
وكيف عظمته وجلاله وكبرياؤه؟: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64) } [غافر: 64] .
ومن عجائب خلق الإنسان، ما خلق الله فيه من الحواس الخمس التي هي آلة الإدراك، ورتبها بحكمته سبحانه:
فأولها حاسة اللمس، وهو أول حس يخلق للحيوان، وأقل درجاته أن يحس بما يلاصقه، وخلق الله للبعيد حساً آخر تدرك به ما بعد عنك، فخلق لك الشم تدرك به الرائحة من بعد.
ولكن لا تدري من أي ناحية جاءت الرائحة، فخلق الله لك البصر، لتدرك به ما بعد عنك، وتدرك جهته فتقصدها بعينها، إلا أنه لو لم يخلق لك إلا هذا لكنت ناقصاً، إذ لا تدرك بذلك ما وراء الجدار والحجاب، فقد يقصدك عدو بينك وبينه حجاب، وقرب منك قبل أن يكشف الحجاب، فتعجز عن الهرب.
فخلق الله سبحانه السمع، حتى تدرك به الأصوات من وراء الحجرات، عند جريان الحركات.