وروي عن حمزة القارئ أنه قرأ على الله القرآن من أوله إلى آخره في المنام حتى إذا بلغ إلى قوله: وهو القاهر فوق عباده (الأنعام: 18) قال الله تعالى يا حمزة وأنت القاهر ولا خفاء في أن الرؤية في المنام نوع مشاهدة يكون بالقلب دون العين وفي الحديث:"رأيت ربي في المنام في صورة شاب أمرد"وسر تجليه في صورة الإنسانية بصفة الربوبية أن الحقيقة الإنسانية أجمع الحقائق فإنه تعالى لما استخلف الإنسان وجعله خاتماً على خزائن الدنيا والآخرة ظهر جيمع ما في الصورة الإلهية من الأسماء في النشأة الإنسانية الجامعة بين النشأة العنصرية والروحانية وإليه يشير قوله عليه السلام:"إن الله خلق آدم على صورته"وإطلاق الصورة على الحق مجاز باعتبار أهل الظاهر إذ لا تستعمل في الحقيقة إلا في المحسوسات ففي المعقولات مجاز ، وأما عند المحققين فحقيقة لأن العالم الكبير بأسره صورة الحضرة الإلهية ومظاهر أسمائها بحضراتها تفصيلاً وإجمالاً والإنسان الكامل صورته جمعاً.
فإن قلت: الرؤية أقوى أنواع الإدراك أم العلم.
قلت: قد قيل بالأول ولهذا يتلذذ المؤمنون برؤية الله تعالى فوق ما يتلذذون بمعرفته.
قال الإمام في"الإحياء": إن الرؤية نوع كشف وعلم إلا أنها أوضح وأتم من العلم فإذا جاز تعلق العلم به ليس في جهة جاز تعلق الرؤية من غير جهة وكما جاز أن يعلم من غير كيفية وصورة جاز أن يرى كذلك من غير كيفية وصورة.
قال بعضهم: الرؤية أعلى من المعرفة لأن العارفين مشتاقون إلى منازل الوصال والواصلون لا يشتاقون إلى منازل المعرفة.
وقال بعضهم: المعرفة ألطف والرؤية أشرف.
قال حضرة الشيخ الشهير بأفتاده أفندي قدس سره: وصلة العلماء على قدر علمهم واستدلالهم ووصلة الكمل على قدر مشاهدتهم وعيانهم لكن لا على وجه مشاهدة سائر الأشياء فإنه تعالى منزه عن الكيف والأين بل هي عبارة عن ظهوره وانكشاف الوجود الحقيقي عند اضمحلال وجود الرائي وفنائه انتهى.