172 -قوله: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ} معطوف على قوله: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ} عطف قصة على قصة، والحكمة في تخصيص بني إسرائيل بهذه القصة الزيادة في إقامة الحجة عليهم، حيث أعلمهم الله بأنّه أعلم نبيه بمبدأ العالم، فضلا عن وقائعم؛ أي: واذكر يا محمد للناس كافة قصة إذ أخذ ربك العهد {مِنْ بَنِي آدَمَ} على التوحيد وقال لهم: اعلموا أنه لا إله غيري، وأنا ربكم لا رب لكم غيري، فلا تشركوا بي شيئا، فإنّي سأنتقم ممن أشرك بي ولم يؤمن بي، وإنّي مرسل إليكم رسلا يذكرونكم عهدي وميثاقي هذا، ومنزل عليكم كتابا، فتكلموا جميعا وقالوا: شهدنا أنك ربنا لا رب لنا غيرك، فأخذ بذلك مواثيقهم حين استخرج {مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} ؛ أي: أخرج بعضهم من ظهور بعض، آخر الأبناء من الآباء بطنا بعد بطن، فأخرج أولا ذرية آدم من ظهره، فأخذوا من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس، ثم أخرج من هذا الذر الذي أخرجه من آدم ذريته ذرا، ثم أخرج من الذر الآخر ذريته ذرا، وهكذا إلى آخر النوع الإنساني، وانحصر الجميع قدام آدم، ونظر لهم بعينه، وخلق فيهم العقل والفهم والحركة والكلام، وبين مسلمهم من كافرهم، بأن جعل الذر المسلم أبيض والكافر أسود {وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ} ؛ أي: أشهد أنفسهم على أنفسهم على أخذ ذلك الميثاق وقبوله؛ أي: قررهم، فإنّ الشهادة على النفس معناها الإقرار، وأشهد بعضهم على بعض، وقال لهم: {أَلَسْتُ} أنا {بِرَبِّكُمْ} وخالقكم ومعبودكم {قالُوا بَلى} أنت ربنا لا رب لنا غيرك، فأخذ بذلك مواثقهم، ثم كتب الله آجالهم، وأرزاقهم، ومصائبهم، فنظر إليهم آدم عليه السلام، فرأى منهم الغني والفقير، وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: رب هلا سويت بينهم؟ فقال: إني أحب أن أشكر، فلمّا قررهم بتوحيده، وأشهد بعضهم على بعض، أعادهم إلى صلب آدم، فلا تقوم الساعة حتى يولد كل من أخذ منه الميثاق، ثم استشهد الملائكة على قبولهم الميثاق، فقال: يا ملائكتي اشهدوا على قبولهم هذا الميثاق. قالت الملائكة: {شَهِدْنا} ذلك عليهم، وعلى هذا المعنى يحسن الوقف على قوله {بَلى} ؛ لأنّ كلام الذرية قد تم وانقطع بقوله: {بَلى} ؛ وقوله: {شَهِدْنا}