الليل من المسجد الحرام إلَى المسجد الأقصى وهذا لا يتمشى في مثل قوله:(سبحانك لا
علم لنا)وفي قوله: (سبحانك إني كنت من الظَّالمينَ) .
فالْمُرَاد في بعض الأوقات وهو كون الْمَذْكُور بعده من الغرائب وعدل عن قول الزَّمَخْشَريّ
أنه للتنزيه عن جميع القبائح التي يضيفها إليه أعداء الله. قيل لأنه يأباه المقام لأن ما ذكر
بعده نصب العين لكن لو أريد العموم يدخل في العموم ما ذكره دخولًا أوليًّا فلا يضر
المقام بل لو قيل إنه للتنزيه عن جميع القبائح سواء أضافها إليه أعداء الله تَعَالَى أولًا لكان
أبلغ قيل وكونه للتنزيه لا ينافي التعجب أي العجب لازم له وليس بمقصود بالذات وإلا
لزم الجميع بين الحقيقي والمجازي وكذا كونه للاعتذار في (سبحانك لا علم لنا)
وكونه مفتاح التَّوْبَة لا ينافيه التنزيه بلا يلائمه.
قوله: (وأسرى وسرى بمعنى) هذا قول أبي عبيدة وهو شرًا الليل بتمامه كما في
القاموس. وقيل أو أكثره أَشَارَ إلَى أن همزته ليست للتعدية ولذا عُدي بالباء لكن المناسب
الفرق بالمُبَالَغَة في أسرى دون سرى، فلذا اخْتيرَ هنا أسرى لإفادته السرعة في السير والْقَوْل
بأن الهمزة للتعدية ومَفْعُوله مَحْذُوف أسرى ملائكته بعيده ضعيف؛ لأنه مع كونه مَجَازًا في
الإسناد في المُبَالَغَة في التعظيم وذكر نصب ليلًا عَلَى الظَّرْف لتمهيد بيان فائدته.
قوله:(ولَيْلًا نصب على الظرف. وفائدته الدلالة بتنكيره على تقليل مدة الإسراء،
ولذلك قرئ: «من الليل» أي بعضه كقوله: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ)وفائدته
الخ. أي إن الإسراء لا يكون إلا ليلًا فذكره إطناب فما فائدته وبين فائدته بأنه لإفادة تقليل
مدة الإسراء وهو بعض الليل بإدخال التَّنْوين الذي أفاده التقليل بحسب الأفراد بمعونة
القرينة فاسْتُعيرَ هنا للتبعيض لأنهما [متقاربان] . فإن قيل إن التَّنْوين يكون [للتكثير] كما يكون
للتقليل؟ قلنا إن الْمُصَنّف أَشَارَ إلَى قرينة بقوله ولذلك قرئ من الليل لكن التقليل عام
للتقليل في الأفراد وفي الأجزاء فلا يظهر وجه كونه مُسْتَعَار للتبعيض. قول الفاضل السعدي
التَّنْوين الذي شائع الاستعمال في التقليل استعمل للتبعيض كأنه إشَارَة إلَى أن شيوع
الاسْتعْمَال إشَارَة الْحَقيقَة أو القليل لا يتناول التبعيض وكل منهما ضعيف. نقل عن الفاضل
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: وفائدته الدلالة بتنكيره عَلَى تقليل مدة السراء وهو مقنبس من كلام الكَشَّاف قال أراد
بقوله ليلًا بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء وأنه أسري به في بعض الليل. أقول: حاصل كلامهما أن
الإسراء والسري في اللغة لا يكونان إلا في الليل فيكون لفظ أسرى مغنيًا عن ذكر الليل فلا بد
لذكر ليلًا من فَائدَة ففائدته ما ذكر الخ. أقول: فيه نظر فإن تنكير لفظ إنما يفيد تقليل أفراد ما وضع
هو له لا تقليل أجزاء فرد من أفراده، والظَّاهر من كلام الْمُصَنّف وكلام الكَشَّاف أن فَائدَة تنكير ليلًا
تقيل أجزاء فرد واحد من أفراد الليل والرجوع إلَى الْمَجَاز يجعل كل جزء من أجزاء ليل واحدًا
بمنزلة فرد من أفراد الليل خلاف الظَّاهر وفي الصحاح ذكر ليلًا للتأكيد.