والتعبير عن الذات العلية بطريق الموصول دون الاسم العلم للتنبيه على ما تفيده صلة الموصول من الإيماء إلى وجه هذا التعجيب والتنويه وسببه ، وهو ذلك الحادث العظيم والعناية الكبرى.
ويفيد أن حديث الإسراء أمر فَشا بين القوم ، فقد آمن به المسلمون وأكبَره المشركون.
وفي ذلك إدماج لرفعة قدر محمد وإثباتُ أنه رسول من الله ، وأنه أوتي من دلائل صدق دعوته ما لا قِبل لهم بإنكاره ، فقد كان إسراؤه إطلاعاً له على غائب من الأرض ، وهو أفضل مكان بعد المسجد الحرام.
وأسرى لغة في سَرَى ، بمعنى سار في الليل ، فالهمزة هنا ليست للتعدية لأن التعدية حاصلة بالباء ، بل أسرى فعل مفتح بالهمزة مرادف سَرى ، وهو مثل أبان المرادف بَان ، ومثل أنهج الثوبُ بمعنى نَهَجَ أي بلِيَ ، ف {أسرى بعبده} بمنزلة {ذهب الله بنورهم} [البقرة: 17] .
وللمبرد والسهيلي نكتة في التفرقة بين التعدية بالهمزة والتعدية بالباء بأن الثانية أبلغ لأنها في أصل الوضع تقتضي مشاركة الفاعل المفعولَ في الفعل ، فأصل (ذهب به) أنه استصحبه ، كما قال تعالى
{وسار بأهله} [القصص: 29] .
وقالت العرب أشبعهم شتماً ، ورَاحوا بالإبل.
وفي هذا لطيفة تناسب المقام هنا إذ قال أسرى بعبده دون سرّى بعبْدَه ، وهي التلويح إلى أن الله تعالى كان مع رسوله في إسرائه بعنايتهِ وتوفيقه ، كما قال تعالى {فإنك بأعيننا} [الطور: 48] ، وقال: إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا [التوبة: 40] .
فالمعنى: الذي جعل عبده مُسرياً ، أي سارياً ، وهو كقوله تعالى: {فأسر بأهلك بقطع من الليل} [هود: 81] .
وإذ قد كان السُرى خاصاً بسير الليل كان قوله: ليلاً إشارة إلى أن السير به إلى المسجد الأقصى كان في جُزء ليلة ، وإلا لم يَكن ذكره إلا تأكيداً ، على أن الإفادة كما يقولون خير من الإعادة.