فمن حيث: أكان الإسراء بالروح فقط أم بالروح والجسد؟ فقد أوضحنا وَجْه الصواب فيه ، وأنه كان بالروح والجسد جميعاً ، فهذا مجال الإعجاز ، ولو كان بالروح فقط ما كان عجيباً ، وما كذَّبه كفار مكة.
أما مَنْ ذهب إلى أن الإسراء كان رؤيا منام ، فيجب أن نلاحظ أن أول الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان الرؤيا الصادقة ، فكان صلى الله عليه وسلم لا يرى رُؤْيَا إلا وجاءت كفلَق الصبح ، فرؤيا النبي صلى الله عليه وسلم ليست كرؤيانا ، بل هي صِدْق لا بُدَّ أن يتحقَّق. ومثال ذلك ما حدث ، مَنْ إرادةِ اللهِ لهُ رؤْيا الفتح.
قال تعالى: {لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّءْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ..} [الفتح: 27] .
وقد أخبر صلى الله عليه وسلم صحابته هذا الخبر ، فلما ردَّهم الكفار عند الحديبية ، فقال الصحابة لرسول الله: ألم تُبشِّرنا بدخول المسجد الحرام؟ فقال: ولكن لم أَقُلْ هذا العام.
لذلك يسمون هذه الرُّؤى رؤى الإيناس ، وهي أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم الشيء مناماً ، حتى إذا ما تحقق لم يُفَاجأ به ، وكان له أُنْس به. وما دام لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلَق الصبح فلا بُدَّ أن هذه الرؤيا ستأتي واقعاً وحقيقة ، وقد يرى هذه الرؤيا مرة أخرى على سبيل التذكرة بذلك الإيناس.
إذن: مَنْ قال: إن الإسراء كان مناماً نقول له: نعم كان رؤيا إيناس تحققتْ في الواقع ، فلدينا رؤى الإيناس أولاً ، ورؤى التذكير بالنعمة ثانياً ، وواقع الحادث في الحقيقة ثالثاً ، وبذلك نخرج من الخلاف حول: أكان الإسراء يقظة أم مناماً؟