أمَّا محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقد أظهر أنَّه مُرسَل لتكملة البِناء الذي تعهَّده مَن سبقوه، ومنع الزلازل مِن تصديعه [5] .
3 -إن تتولوا يستبدل قومًا غيركم:
مَن ترَك منهج الله وتخلَّى عنه يتركه الله - عزَّ وجلَّ - ويستبدله ولا يستعمله، فالله ليس في حاجةٍ إلينا؛ الله - عزَّ وجلَّ - غنيٌّ عن العالمين؛"يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ" [فاطر: 15] .
كما حدَث من بني إسرائيل ترَكوا منهج الله - عزَّ وجلَّ - وحرَّفوه، وشوَّهوا تعاليم النبوَّة ورِسالة السماء، فكانتِ النتيجة أنْ خرجت النبوَّة منهم، وانتقلت إلى غيرهم.
فالحذرَ كلَّ الحذر مِن مخالفة أمر الله، والتقاعُس عن القيام بحقوقه - عزَّ وجلَّ - وواجباته، اللهمَّ استعملنا ولا تستبدِلْنا.
قال الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله تعالى: لماذا كانت الرحلةُ إلى بيت المقدس، ولم تبدأ مِن المسجد الحرام إلى سِدرة المنتهى مباشرة؟
يقول: إنَّ هذا يرجِع بنا إلى تاريخ قديم، فقد ظلَّتِ النبوَّات دهورًا طوالاً وهي وقفٌ على بني إسرائيل، وظلَّ بيت المقدس مهبطَ الوحي، ومشرق أنواره على الأرض، وقصبة الوطن المحبَّب إلى شعْب الله المختار.
فلمَّا أهدر اليهود كرامة الوحي، وأسقطوا أحكامَ السماء، حلَّتْ بهم لعنةُ الله، وتقرَّر تحويل النبوة عنهم إلى الأبَد، ومِن ثَمَّ كان مَجيء الرِّسالة إلى محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - انتقالاً بالقيادة الرُّوحية في العالَم من أمَّة إلى أمَّة، ومن بلدٍ إلى بلد، ومِن ذرية إسرائيل إلى ذريَّة إسماعيل.
وقدْ كان غضب اليهود مشتعلاً لهذا التحوُّل، ممَّا دَعاهم إلى المسارَعة بإنكاره:"بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاؤُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ" [البقرة: 90] .