ونضيف إلى ذلك أن الله تعالى أراد أن يُعِدَّ رسوله لمرحلة جديدة من مراحل الدعوة الإسلاميَّة، هذه المرحلة تُشبه المرحلة التي رأى فيها موسى آيات الله تعالى، وهي مرحلة مجابهة فرعون؛ فقد قال الله تعالى عن موسى:"لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى" [طه: 22 - 23] . فموسى الذي سيقابل فرعون الطاغية قد هُيِّئَ بهذه الرؤية لاحتقار كلِّ القوى الأرضيَّة ما دامت معه قوَّة الله تعالى، والرسول كان مأمورًا بالصبر طيلة الفترة المكية، ثم إنه بعد الهجرة أمر بالمجابهة، وكان الإسراء والمعراج قبل الهجرة بقليل - بعام واحد على أصحِّ الأقوال - فكانت رؤية آيات الله الكبرى تمهيدًا لهذه المرحلة التي سيقف فيها رسول الله بالقلة من أصحابه في وجه الدنيا كلها، فقال تعالى في أوائل سورة النجم عن المعراج:"لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى" [النجم: 18] .
رابعاً: إخباره صلى الله عليه وسلم بالمعجزة للمشركين:
قال ابن كثير: أن أبا جهل لعنه الله رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الحرام و هو جالس واجم فقال له: هل من خبر؟ فقال نعم فقال: و ما هو؟ فقال: إني أسرى بي الليلة إلى بيت المقدس قال: إلى بيت المقدس؟ قال: نعم قال: أرأيت إن دعوت قومك لك لتخبرهم أتخبرهم بما أخبرتني به؟ قال: نعم فأراد أبو جهل جمع قريش ليسمعوا منه ذلك و أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم ليخبرهم ذلك و يبلغهم فقال أبو جهل: هيا معشر قريش و قد اجتمعوا من أنديتهم فقال أخبر قومك بما أخبرتني به فقص عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى و أنه جاء بيت المقدس هذه الليلة و صلى فيه فمن بين مصفق و بين مصفر تكذيبا له و استبعادا لخيره و طار الخبر بمكة و جاء الناس إلى أبي بكر رضي الله عنه فأخبروه أن محمدا صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا فقال: إنكم تكذبون عليه فقالوا: و الله إنه ليقوله فقال: إن كان قاله فلقد صدق.