ومنذ أن وُجد الخيرُ والشر، منذ أن وُجد الهدى والضلال، منذ أن وُجد الحقُّ والباطل، والصراع على أشدِّه، لكن النتيجة الحتمية لهذا الصراع؛ هي أن الحقَّ دائمًا في انتصارٍ وازدِهار، وأن الباطل في اندحارٍ واندثار، دولة الباطلِ ساعة ودولة الحقِّ إلى قيام الساعة؛"بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ" [الأنبياء: 18] ،"وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ" [الصافات: 171 - 173] ،"كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ" [الرعد: 17] ، (( لا تزال طائفةٌ من أمَّتي ظاهرين على الحقِّ، لا يضرُّهم مَن خذلهم حتى يأتِي أمرُ الله وهم كذلك ) )؛ أخرجه البخاري ومسلم.
بعد هذا الكمِّ من الابتلاء في مكة، وبعد هذا الموقف الإيماني العظيم من سيِّدِ الخَلْق نحو مَن آذوه؛ كانت المكافأةُ من الله عز وجل هي دعوتَه لرحلةِ الإسراء والمعراج، فالإسراء هو رحلة أرضيَّة من مكة إلى بيت المقدس، وكأن الله تعالى يقول: هذه منزلتُك، ثم بعد ذلك توجَّه إلى بيتِ المقدس، وبعد ذلك عرجَ به إلى السموات العُلى، وفُرض عليه الصلاةُ في السماء"خمسون صلاة"، ثم خفضَت إلى خمسٍ في العمل وخمسين في الأَجْر، لتكون الرحلة تكريمًا لشخصِه، والصلاةُ معراجًا وتعظيمًا لأمَّته.
فمِن زحمةِ الابتلاء كانت رحلة الإسراء مِنْحة واصطفاء، رحمةً واجتباء، سُجلَت في القرآن في سورتين مكيَّتين"النجم"توضح تفاصيلَ المِعراج، وسورة"الإسراء"مطلعها:"سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" [الإسراء: 1] . انتهى انتهى {رحلة الإسراء من زحمة الابتلاء إلى منحة الاصطفاء، للشيخ/ خميس النقيب} ...