(إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ(26)
وقال بعضهم: فما فوقها أي بما دونها في الصغر، وهذا من أسماء الأضداد يذكر الفوق، ويراد به دونه، كما يذكر الوراء ويراد به الأمام مثل قوله: (وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا) [الإنسان: 27] أي أمامهم، فكذلك الفوق يذكر ويراد به ما دونه، أي يضرب المثل بالبعوضة وبما دونها، بعد أن يكون فيه إظهار الحق، وإرشاد إلى الهدى، فكيف يمتنع من ضرب المثل بالبعوضة، ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يخلقوا بعوضة لا يقدرون عليه.
ويقال: إنما ذكر المثل بالبعوضة، لأن خلقة البعوضة أعجب، لأن خلقتها خلقة الفيل. ويقال: لأن البعوضة ما دامت جائعة عاشت فإذا شبعت ماتت، فكذلك الآدمي إذا استغنى، فإنه يطغى. فضرب الله المثل للآدمي.
قوله تعالى: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا) أي إنما ضرب المثل ليضل به كثيرًا من الناس، يعني يخذلهم ولا يوفقهم وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا، يعني يوفق به على معرفة ذلك المثل كثيرًا من الناس وهم المؤمنون.
وقال بعضهم: معنى قوله (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا) أي يسميه ضالًا، كما يقال: فسّقت فلانًا، أي سميته فاسقًا، لأن الله تعالى لا يضل به أحدًا، وهذا طريق المعتزلة، وهو خلاف جميع أقاويل المفسرين، وهو غير مستعمل في اللغة أيضًا، لأنه يقال: ضلله إذا سمَّاه ضالًا ولا يقال: أضله إذا سماه ضالًا، ولكن معناه ما ذكره المفسرون أنه يخذل به كثيرًا من الناس مجازاة لكفرهم.