فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 238

عزَّ اسمه: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) .

وأما كرم العشيرة: فإنه يقال له: الحسب والشرف، والشرف أخص بمآثر الآباء والعشيرة، ولذلك قيل للعلوية: أشراف، ومن الناس من لا يعد شرف الأصل فضيلة، ويقول: المرء بنفسه.

واستدل بقول أمير المؤمنين - رضي الله عنه:"الناس أبناء ما يحسنون"

وبقوله:"قيمة كل امرئ ما يحسنه".

وقول الشاعر:

كن ابن من شئت واكتسب أدبًا ... يغنيك محموده عن النسب

وقول الحكيم: الشرف بالهمم العالية لا بالرمم البالية.

وليس كذلك كما ظن، لأن كرم الأعمام والأخوال مخيلة لكرم المرء، ومظنة له، فالفرع وإن كان قد يفسد أحيانًا فمعلوم أن أصله يورثه الفضيلة والرذيلة، فإنه لا يكون من النخل الحنظل، ولا من الحنظل النخل، ولذلك قال الشاعر:

وما يك من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل

وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل

وقيل:

إن السري إذا سرى فبنفسه ... وابن السري إذا سرى أسراهما

ويبين ذلك أن الأخلاق نتائج الأمزجة، ومزاج الأب كثيرًا ما يتأدى إلى الابن، كالألوان والخلق والصور، ومن أجل تأديها إليه، قال عليه الصلاة والسلام:"تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء"، وقال - صلى الله عليه وسلم:"إياكم وخضراء الدمن"قيل: يا رسول اللَّه وما خضراء الدمن، قال:"المرأة الحسناء في المنبت السوء".

وما ذكر في نحو قول أمير المؤمنين - رضي الله عنه:"الناس أبناء ما يحسنون"

فهو حث للناس على اقتباس العلم، ونهي عن الاقتصار على مآثر الآباء، فإن المآثر الموروثة قليلة الغناء، سريعة الفناء، ما لم تضامَّها فضيلة النفس، لأن ذلك إنما يحمد لكي يوجد الفرع مثله. ومتى أخلف الفرع وتخلف فإنه يخبر بأحد شيئين: إما بتكذيب من يدعي الشرف لعنصره. وإما بتكذيبه في انتسابه إلى ذلك العنصر، وما فيهما حظ لمختار، فالمحمود أن يكون الأصل في الفضائل راسخًا، والفرع به شامخًا، كما قال الشاعر:

زانوا قديمهم بحسن حديثهم ... وكريم أخلاق بحسن خصال

ومن لم يجتمع له الأمران فلأن يكون المرء شريف النفس دني الأصل أولى من أن يكون دني النفس شريف الأصل، قال الشاعر:

إذا الغصن لم يثمر وإن كان شعبة ... من الثمرات اعتده الناس في الحطب

فما الحسب الموروث لا در دره ... بمحتسب إلا بآخر مكتسب

ومن كان عنصره في الحقيقة سنيًّا وفي نفسه دنيًّا فذلك أتى إما من إهماله نفسه

وسومها، وإما لتعوده عادات قبيحة، وصحبة أشرار، وغير ذلك من العوارض المفسدة

للعناصر الكريمة، فليس سبب الرذيلة شيئا واحدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت