فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 238

(الفضائل الجسمية)

قد استهان قوم بذلك، وقالوا: كفى بالمرء أن يكون صحيح البدن بريئا من الأمراض الشاغلة عن تحري الفضائل العقلية، وليس كذلك، فالبدن للنفس بمنزلة الآلة للصانع، والسفينة للربان، اللتين بهما صار صانعًا وربانًا.

وجميع أجزاء البدن بالقول المجمل أربعة: العظام التي تجري للبدن مجرى الألواح للسفينة. والعصب الذي يجري له مجرى الرباط الذي تشد به الألواح. واللحم الذي يجري له مجرى الحشو للرباطات. والجلد الذي يجري مجرى الغشاء لجميعها.

فإذا اعتدلت هذه الأربعة بأن يعتدل فيها الأربع القوى، وهي الجاذبة، والممسكة، والهاضمة، والدافعة سمي ذلك الصحة، ولولا صحة البدن لما حصل الانتفاع به.

وأما القوة: فهي جودة تركيب هذه الأركان الأربعة، وهي العظام والعصب واللحم والجلد، وما يتبعها. وبها يصلح البدن للسعي والتصرف في أمور الدنيا والآخرة.

وأما الجمال: فنوعان:

أحدهما: امتداد القامة الذي يكون عن اعتدال الحرارة الغريزية، بأن الحرارة إذا حصلت دفعت أجزاء الجسم إلى العلو، كالنبات إذا نجم، كلما كان أطلب للعلو في منبته كان أشرف في جنسه.

وللاعتبار بذلك استعمل في كل ما جاد في جنسه العالي

والفائق، وكثر المدح بطول القامة نحو قول القائل:

كأن زرود القبطرية علقت ... علائقها منه بجذع مقوم

وقول آخر:

أشيم طويل الساعدين كأنما ... نياط نجاد سيفه بلواء

الثاني من الجمال: أن يكون مقدودًا قوي العصب، طويل الأطراف، ممتدها، رحب الذراع، غير مثقل باللحم والشحم كما قيل:

فتى قُدَّ قَدَّ السيف لا متضائل ... ولا رهلًا لباته وبآدله

ولا نعني بالجمال هاهنا ما يتعلق به شهوات الرجال والنساء، فذلك أنوثية، وإنما يعني به الهيئة التي لا تنبو الطباع عن النظر إليها، وهو أدل شيء على فضيلة النفس، لأن نورها إذا أشرق تأدى إلى البدن إشراقها.

وكل شخص فله حكمان:

أحدهما: من قبل جسمه وهو منظره، والآخر: من قبل

نفسه وهو مخبره، فكثيرًا ما يتلازمان، ولذلك فزع أصحاب الفراسة في معرفة أحوال النفس أولًا إلى الهيئات البدنية حتى قال بعض الحكماء: قَلَّ صورة حسنة يتبعها نفس رديئة، فنقش الخواتيم مقروء من الطين، وطلاقة الوجه عنوان ما في النفس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت