(قاعدة لو)
قال الشيخ شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي رحمه الله: قاعدة (لو) أنها إذا دخلت على ثبوتيين كانتا منفيين، أو على نفيين كانتا ثوبتيين، أو نفي وثبوت فالثبوت نفي وبالعكس وإذا تقررت هذه القاعدة، فيلزم أن يكون كلمات الله قد نفدت وليس كذلك.
ونظير هذه الآية قول النبي صلى الله عليه وسلم:"نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه"يقتضي أنه خاف وعصى مع الخوف وهو أقبح، وذكر الفضلاء في الحديث وجوهًا. أما الآية فلم أر لأحد فيها كلامًا، ويمكن تخريجها على ما قالوه في الحديث غير أني ظهر لي جواب عن الحديث والآية جميعًا سأذكره، قال ابن عصفور: لو في الحديث بمعنى إن لمطلق الشرط وأن لا يكون كذلك، وقال شمس الدين الخسروشاهي: لو في أصل اللغة لمطلق الربط وإنما اشتهرت في العرف بما مر، والحديث إنما ورد بالمعنى اللغوي لها.
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: الشيء الواحد قد يكون له سببان فلم يلزم من عدم أحدهما عدمه، وكذلك هيهنا الناس في الغالب إنما لم يعصوا لأجل الخوف، فإذا ذهب الخوف عصوا فأخبر صلى الله عليه وسلم أن صهيبًا اجتمع له سببان يمنعان عن المعصية الخوف والإجلال.
وأجاب غيرهم بأن الجواب محذوف: تقديره لو لم يخف الله عصمه الله.
والذي ظهر لي أن لو أصلها تستعمل للربط بين شيئين كما تقدم، ثم إنها أيضًا تستعمل لقطع الربط، تقول لو لم يكن زيد عالمًا لأكرم أي لشجاعته جوابًا لسؤال سائل يقول: إنه إذا لم يكن عالمًا لم يكرم؟ فربط بين عدم العلم وعدم الإكرام فتقطع أنت ذلك الربط، وليس مقصودك أن تربط بين عدم العلم والإكرام، لأن ذلك ليس بمناسب، وكذلك الحديث، وكذلك الآية، لما كان الغالب على الناس أن يرتبط عدم عصيانهم بخوف الله، فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الربط، وقال لو لم يخف الله لم يعصه، ولما كان الغالب على الأوهام أن الأشجار كلها إذا صارت أقلامًا والبحر مدادًا مع غيره يكتب به الجميع فيقول الوهم: ما يكتب بهذا الشيء إلا نفد، قطع الله تعالى هذا الربط، وقال: ما نفدت، انتهى كلامه.