(في كتاب الجواهر)
ارتجل علي بن أبي طالب عليه السلام تسع كلمات، قطعت أطماع البلغاء عن واحدة منهن: ثلاث في المناجاة، وثلاث في العلم، وثلاث في الأدب.
أما التي في المناجاة فقوله: كفاني عزا أن تكون لي ربا، وكفاني فخرا أن أكون لك عبدا، كنت لي كما أحب فوفقتني لما تحب.
وأما التي في العلم فقوله: المرء مخبوء تحت لسانه، ما ضاع امرؤ عرف قدره، تكلموا تعرفوا.
وأما التي في الأدب، فقوله: أنعم على من شئت تكن أميره، واستعن بمن شئت تكن نظيره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره.
لبعضهم:
(يا حسن الوجه توق الخنا ... لا تبدلن الزين بالشين)
(ويا قببيح الوجه كن محسنا ... لا تجمعن بين قبحين)
قال بعض الأمراء: دعوتان أرجو إحداهما بقدر ما أخاف الأخرى؛ دعوة مظلوم أعنته، ودعوة ضعيف ظلمته.
قال سقراط: من لم يصبر على تعب العلم صبر على شقاء الجهل.
وقع حريق في بيت كان فيه زين العابدين علي بن الحسين وهو في صلاته، فجعلوا يقولون له: يابن رسول الله، يابن رسول الله النار النار، فما رفع رأسه من سجوده حتى أطفئت، فقال له بعض خواصه: ما الذي ألهاك عنها؟ فقال: نار الآخرة. وكان يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل يطوف به على فقراء المدينة يتصدق به عليهم ويقول: صدقة السر تطفئ غضب الرب.
(من كلام بعض الحكماء)
من جلس في صغره حيث يحب جلس في كبره حيث يكره.
إذا جاء الصواب ذهب الجواب.
قيل لعمر بن عبد العزيز: ما كان بدء توبتك؟ فقال: أردت ضرب غلام لي، فقال: يا عمر اذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة.
في الحديث إذا أقبلت الدنيا على الرجل أعطته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه.
القعود وهو الانتقال من علو إلى سفل، ولهذا قيل لمن أصيب برجله: مقعدًا، والجلوس هو الانتقال من سفل إلى علو، والعرب تقول للقائم اقعد وللنائم أو الساجد اجلس.
(من كلام بعض الحكماء)
أيسر شيء الدخول في العداوة، وأضعف شيء الخروج منها.
إذا ذكر جليسك عندك أحدًا بسوء فاعلم أنك ثانيه. من رفعك فوق قدرك فاتقه.
أغلب الناس سلطان جائر وامرأة سليطة. وإذا اتهمت وكيلك فاخزن لسانك واستوثق بما في يده.
أكرم المجالسة مجالسة من لا يدعي الرياسة وهو في محلها.
قال محمد بن مكي: وشر المجالسة مجالسة من يدعي الرياسة وليس في محلها.
ترك المداراة طرف من الجنون.
من قصر بك قبل أن يعرفك فلا تلمه.
من لا يقبل قوله فلا تصدق يمينه.
لا تصدق الحلاف وإن اجتهد في اليمين.
جفاء القريب أوجع من ضرب الغريب.
اللطف رشوة من لا رشوة له.
أشد ما على السخي عند ذهاب ما له ملامة من كان يمدحه وجفاء من كان يبره.
الذل أن تتعرض لما في يد غيرك وأنت في الوصول إليه على خطر.
من دارى عدوه هابه صديقه.
من أفسد بين اثنين فعلى أيديهما هلاكه إذا اصطلحا.
شيئان لا ينقطعان أبدًا المصائب والحاجات. النمام يخرج منك الكلام بالمنقاش. الرشوة في السر طرف من السحر.
من عادى من دونه هبت هيبته.
من عادى من فوقه غلب.
ومن عادى مثله ندم.
صاح رجل بالمأمون يا عبد الله يا عبد الله فغضب وقال تدعوني اسمي، فقال الرجل: نحن ندعو الله باسمه، فسكت المأمون وعفى وأنعم عليه. انتهى.
الموت كسهمٍ مرسلٍ عليك وعمرك بقدر مسيره إليك.
زهدك في راغب فيك نقصان حظ، ورغبتك في زاهد فيك ذل نفس.
قيل لبعض الحكماء: أي إخوانك أحب إليك؟ قال من سد خللي، وقبل عللي، وغفر زللي.
من كلام عيسى عليه السلام: لا تضعوا الحكمة في غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم.
من كلام بعض الحكماء: لا تستصغروا شيئا من المعروف إن قدرتم على اصطناعه، فإن اليسير في حال الحاجة أنفع لأهله من درك الكثير في حال الغنى عنه.
(من كلام بعض الحكماء)
من تتبع خفيات العيوب حرم مودات القلوب.
ومن كلامهم من نكد الدنيا أنها لا تبقى على حالة، ولا تخلو عن استحالة، تصلح جانبًا بإفساد جانب، وتسر صاحبًا بمساءة صاحب، ومن كلامهم إياك وفضول الكلام فإنها تظهر من عيوبك ما بطن وتحرك من عدوك ما سكن.
ومن كلامهم: من أفرط في الكلام زل، ومن استخف بالرجال ذل.
ومن كلامهم: يستدل على عقل الرجل بقلة مقاله وعلى فضله بكثرة احتماله.
(من كلام بعض البلغاء)
الدنيا إن أقبلت بلت وإن أدبرت برت أو أطنبت نبت أو أركبت كبت أو بهجت هجت أو أسعفت عفت أو أينعت نعت أو أكرمت رمت أو عاونت ونت. أو ما جنت جنت، أو سامحت محت أو صالحت لحت أو واصلت صلت أو بالغت لغت، أو وفرت فرت أو زوجت وجت أو نوهت وهت أو ولهت لهت أو بسطت سطت.
(حكم)
من كلام بعض العارفين: سيئة تسؤوك خير من حسنة تعجبك.
من غاب نفسه فقد ذكاها.
مما أوحى الله إلى بعض أنبياءه: هب لي من قلبك الخشوع، ومن نفسك الخضوع ومن عينك الدموع، وسلني فإني قريب مجيب.
كن في الدنيا وحيدًا فريدًا مهمومًا حزينًا، كالطائر الواحد الذي يظل بأرض الفلاة، يروى من ماء العيون ويأكل من أطراف الشجر فإذا جن عليه الليل آوى وحده استيحاشًا من الطير واستيناسًا بربه.
من كلام أمير المؤمنين رضي الله عنه من أراد الغنى بغير مال، والكثرة بغير عشيرة، فليتحول من ذل المعصية إلى عز الطاعة.
من أصلح ما بينه وبين الله تعالى، أصلح الله ما بينه وبين الناس.
قال بعض الحكماء: لا تكرهوا أولادكم على أخلاقكم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم.
أبو إسحاق الصابي: هو إبراهيم بن هلال أوحد الزمن في البلاغة وفريد الدهر في الكتابة بلغ التسعين في خدمة الخلفاء، وتقلد الأعمال الجلائل ومع ديوان الرسائل وذاق حلو الدهر ومره ولابس خيره وشره ومدحه شعراء العراق وسار ذكره في الآفاق،
راوده الخلفاء على الإسلام بكل حيلة، وتوسلوا إلى ذلك بكل وسيلة، فلم يسلم، وعرض عليه السلطان بختيار الوزارة إن أسلم، وكان يعاشر المسلمين أحسن عشيرة ويساعدهم على صيام شهر رمضان، ويحفظ القرآن حفظًا يدور على طرف لسانه، وكان في زمن شبابه أرخى بالأمنة في زمن كبره.
وإلى ذلك أشار في قصيدة كتب بها إلى الصاحب يستمطر سحابه ويستدر أخلاف جوده، بعد أن كان يخاطبه بالكاف ويعده من جملة الأكفاء فمن أبياتها:
عجبًا لخطي إذا رآه مصاحبي ... عصر الشباب وفي المشيب معاصي
أمن الغواني كان حلي خانني؟ ... شيبًا وكان له الشبيبة صاحبي
وعزل في آخر عمره واعتقل وقيد، وكان يقوم ويقع إن تهتك ستره ورخت حاله، وكان الصاحب يحبه أشد الحب ويتعصب له ويتعهده على بعد الدار بالمنج وهو يخدم الصاحب بالمدح.
قال المحقق التفتازاني في المختصر: اختلف في التفضيل بين الصحاب والصابئ، والحق أن الصاحب كان يكتب ما يريد، والصابئ يكتب ما يؤمر، وبين المقامين بون بعيد. ومات سنة 384 على كفره، وكذا ابنه المحسن ورثاه الشريف الرضي بقصيدة طويلة جيدة.
(حكم)
من كلامهم: من تاجر مع الله لم يوكس بيعه، ولم يبخس ريعه.
لا ينال ما عند الله إلا بعين ساهدة، ونفس مجاهدة.
الكريم سلس القياد واللئيم عسر الانقياد، ويل لمن كان بين عز النفس وذل الحاجة. ويل لمن كان بين سخط الخالق وشماتة المخلوق. الآمال متعلقة بالأموال. الأريب لا يجالس من لا يجانس. رب ذئاب في أهب نعاج، وصقور في صور دجاج. رب رقعة تفصح عن رقاعة كاتبها. ربما تطيب الغموم بالعموم. إذا نابتك النائبة ولا حيلة لها فلا تجزعن، وإن كان لها حيلة فلا تعجزن. أدوية الدنيا تقصر عن سمومها وتسميتها لا يفي بسمومها.
شر النوائب ما وقع من حيث لا يتوقع.
قال بعض الأعراب: افرش طعامك اسم الله، وألحفه حمد لله. لا يطيب حضور الخوان إلا مع الإخوان. رب أكله منعت أكلات. شكا رجل إلى بعض الزهاد كثرة عياله، فقال له الزاهد: انظر من كان منهم ليس رزقه على الله فحوله إلى منزلي ...
قال ابن سيرين لرجل كان يأتيه على دابة، فأتاه يوما راجلا: ما فعلت بدابتك؟ فقال قد اشتدت علي مؤنتها فبعتها، فقال ابن سيرين: أفتراه خلف رزقها عندك. سئل أنو شروان: ما أعظم المصائب؟ فقال: أن تقدر على المعروف فلا تصنعه حتى يفوت. . كان عمر بن عبد العزيز واقفا مع سليمان بن عبد الملك أيام خلافته، فسمع صوت رعد ففزع منه ووضع صدره على مقدم رحل، فقال له عمر: هذا صوت ورحمته، فكيف صوت عذابة! قال بعض العارفين: إذا قيل لك هل تخاف الله فاسكت، لأنك إن قلت لا فقد كفرت، وإن قلت نعم فقد كذبت. من الإحياء - في كتاب آداب الصحبة - قال علي بن الحسين رضي الله عنهما: هل يدخل أحدكم يده في كم أخيه أو كيسه فيأخذ منه ما يريد من غير إذن؟ فقيل لا، فقال: اذهبوا فلستم باخوان. وقال أبو سليمان الداراني: إني لألقم اللقمة أخا من أخواني فأجد طعمها في فمي. جاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم، وهو يريد بيت المقدس، فقال له: إني أريد أن أرافقك، فقال له إبراهيم: علي أن أكون أملك لشيئك منك. قال لا، فقال إبراهيم: أعجبني صدقك.