قيل لرابعة العدوية: متى يكون العبد راضيا عن الله تعالى؟ فقالت: إذا كان سروره بالمصيبة كسروره بالنعمة.
وقيل لها يومًا: كيف شوقك إلى الجنة؟ فقالت: الجار قبل الدار.
ومن كلامها ما ظهر من عملي فلا أعده شيئًا.
قال بعض العباد: أهينوا الدنيا فإنما أهنى ما يكون لكم، أهون ما يكون عليكم.
قال بعض الصلحاء: لولا أني أكره أن يعصى الله لتمنيت أن لا يبقى في هذا المصر أحد إلا وقع في، واغتابني، وأي شيء أهنأ من خمسة يجدها الرجل في صحيفته يوم القيامة لم يعملها، ولم يعلم بها؟.
المؤمن: لا يثقله كثرة المصائب وتواتر المكاره عن التسليم لربه والرضا بقدره كالحمامة التي يؤخذ فرخها من وكرها وتعود إليه.
روى أنه كان في جبل لبنان رجل من العباد مُنزويًا عن الناس في غار في ذلك الجبل، وكان يصوم النهار ويأتيه كل ليلة رغيف يُفطر على نصفه ويتسحر بالنصف الآخر، وكان على ذلك الحال مدة طويلة لا ينزل من ذلك الجبل أصلًا، فاتفق أن انقطع عنه الرغيف ليلة من الليالي، فاشتد جوعه وقلَّ هجوعه فصلى العشائين وبات في تلك الليلة في انتظار شيء يدفع به الجوع فلم يتيسر له شيء، وكان في أسفل ذلك الجبل قرية سكانها نصارى فعندما أصبح العابد نزل إليهم واستطعم شيخًا منهم فأعطاه رغيفين من خبز الشعير، فأخذهما وتوجه إلى الجبل وكان في دار ذلك الشيخ كلبٌ جرب مهزول، فلحق العابد ونبح عليه وتعلق بأذياله فألقى عليه العابد رغيفًا من ذينك الرغيفين ليشتغل به عنه، فأكل الكلب ذلك الرغيف ولحق العابد مرة أخرى وأخذ في النباح والهرير فألقى إليه العابد الرغيف الآخر فأكله ولحقه تارة ثالثة واشتد هريره وتشبث بذيل العابد ومزقه، فقال العابد: سبحان الله إني لم أر كلبًا أقل حياءً منك إن صاحبك لم يعطني إلا رغيفين وقد أخذتَهما مني ماذا تطلب بهريرك وتمزق ثيابي، فأنطق الله تعالى الكلب فقال: لست أنا قليل الحياء، اعلم أني رُبيتُ في دار النصراني أحرس غنمه وأحفظ داره وأقنع بما يدفع إلي من خبز أو عظام، وربما نسيني فأبقى أيامًا لا آكل شيئًا ربما تمضي أيام لا يجد هو لنفسه شيئًا ولا لي ومع ذلك لم أفارق داره منذ عرفت نفسي ولا توجهت إلى باب غيره، بل كان دأبي أنه إن حصل شيء شكرت وإلا صبرت، وأما أنت فبانقطاع الرغيف عنك ليلة واحدة لم يكن عندك صبر، ولا كان لك تحمل حتى توجهت من باب رزاق العباد إلى باب نصراني، وطويت كشحك عن الحبيب وصالحت عدوه المريب، فقل أينا أقلُّ حياءً أنا أم أنت؟
فلما سمع العابد ذلك ضرب بيديه على رأسه وخر مغشيًا عليه فمات.