روي في عيون الأخبار عن أبي الحسن الرضا رضي الله عنه فيما ذكره عند المأمون في تنزيه الأنبياء ما حصله إن قوله تعالى:"وهم بها"هو جواب لولا؛ أي لولا أن رأى برهان ربه لهم بها كما تقول: قتلتك لولا أني أخاف الله، أي لولا أني أخاف الله لقتلتك وحينئذٍ فلا يلزم كونه عليه السلام قد هم بالمعصية أصلًا كما هو شأن النبوة. أقول: وأما ما ذكره بعض المفسرين من أن جواب لولا لا يتقدم عليها محتجًا بأنها في حكم الشرط، وللشرط صدر الكلام وأن الشرط مع ما في حيزه من الجملتين في حكم الكلمة الواحدة ولا يجوز تقديم بعض أجزاء الكلمة على بعض فكلام ظاهري لا مستند له في كلام المتقدمين من أئمة العربية، وحجته المذكورة لا يخفى ضعفها والصحيح أنه لا مانع من تقديم جواب (لولا) عليها ولأن ضويقنا في ذلك قدرنا لها جوابًا آخر بحيث يكون المذكور مفسرًا له كما في نحو أقوم إن قام زيد.
قال في الكشاف: فإن قلت: كيف جاز على نبي الله أن يكون منه هم بالمعصية وقصد إليها؟
قلت: المراد أن نفسه مالت إلى المخالطة، ونازعت إليها عن شهوة الشباب وقرمه ميلًا يشبه الهم به والقصد إليه وكما يقبضه صورة تلك الحال التي تكاد تذهب بالعقول والعزائم وهو يكسر ما به ويرده بالنظر في برهان الله المأخوذ على المكلف من وجوب اجتناب المحارم، ولو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى همًا لشدته لما كان صاحبه ممدوحًا عند الله، لأن استعظام الصبر على الابتلاء على حسب عظم الابتلاء وشدته.
ثم إنه أكثر التشنيع على من فسر الهم بأنه حل الهميان، وجلس منها مجلس المجامع، وعلى من فسر البرهان بأنه سمع صوتًا إياك وإياها فلم يكترث فسمعه ثانيًا فلم ينجع فيه حتى مثل له يعقوب عاضًا على أنملته أو بأنه ضرب في صدره فخرجت شهوته من أنامله أو بأنه صيح به يا يوسف لا تكن كالطائر كان له ريش، فلما زنا قعد لا ريش له، أو بأنه بدت كف فيما بينهما ليس لها عضد ولا معصم مكتوب فيها (وإن عليكم لحافظين كرامًا كاتبين) فلم ينصرف. ثم رأى فيها (ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلًا) فلم ينته ثم رأى فيها (واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله) فلم ينجع، فقال الله لجبرئيل: أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة فانحط جبريل وهو يقول يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في ديوان الأنبياء؟
أو بأنه رأى تمثال العزيز، أو بأنه قامت المرأة إلى صنم كان هناك فسترته، وقالت أستحي منه أن يرانا، فقال يوسف: استحييت ممن لا يسمع ولا يبصر ولا أستحي من السميع البصير العليم بذات الصدور.
ثم قال جار الله: هذا ونحوه مما يورده أهل الحشو والجبر الذين دينهم بهت الله وأنبيائه ورسله، وأهل العدل والتوحيد ليسوا من مقالاتهم ورواياتهم بحمد الله بسبيل، ولو وُجدتْ من يوسف عليه السلام أدنى ذلة لنعيت عليه وذكرت توبته واستغفاره كما نعيت على آدم عليه السلام زلته، وعلى داود، وعلى نوح، وعلى أيوب، وعلى ذي النون، وذكرت توبتهم واستغفارهم كيف وقد أثنى عليه، وسمى مخلصًا فعلم بالقطع أنه ثبت في ذلك المقام الدحض وأنه جاهد نفسه مجاهدة أولي القوة، والعزم ناظرًا في دليل التحريم، ووجه القبح، حتى استحق من الله الثناء فيما أنزل من الكتب الأولين.
ثم في القرآن الذي هو حجة على سائر كتبه ومصداق لها، ولم يقتصر إلا على استيفاء قصته وضرب سورة كاملة عليها ليجعل لها لسان صدق في الآخرين كما جعله لجده الخليل إبراهيم، وليقتدي به الصالحون إلى آخر الدهر في العفة وطيب الإزار والتثبت في مواقف العثار فأخزى الله أولئك في إيرادهم ما يؤدي إلى أن يكون إنزال الله سورة التي هي أحسن القصص في القرآن العربي المبين ليقتدى بنبي من الأنبياء في القعود بين شعب الزانية، وفي حل تكته للوقوع عليها وفي أن ينهاه ربه ثلاث كرات، ويصاح به من عنده ثلاث صيحات بقوارع القرآن، وبالتوبيخ العظيم، وبالوعيد الشديد، والتشبيه بالطائر الذي سقط ريشه حين سفد غير أنثاه، وهو جاثم في مربضه ولا يتحلحل ولا ينتهي ولا ينتبه حتى يتداركه الله بجبرئيل، وبإجباره ولو أن أوقح الزناة وأشطرهم وأحدهم حدقة وأجلحهم وجهًا لقي بأدنى ما لقي به نبي الله مما ذكروا لما بقي له عرق ينبض، ولا يتحرك فيا له من مذهب ما أفحشه، ومن ضلال ما أبينه. انتهى كلام صاحب الكشاف.
لا خلاف في أن يوسف على نبينا وعليه السلام لم يأت بالفاحشة إنما الخلاف في وقوع الهم منه، فمن المفسرين من ذهب إلى أنه ذهب إلى أن هم وقصد الفاحشة وأتى ببعض مقدماتها وقد أفرط صاحب الكشاف في التشنيع على هؤلاء، كما نقلناه عنه في الصفحة السابقة، ومنهم من نزعه عن الهم أيضًا، وهو الصحيح وللإمام الرازي في تفسيره الكبير هنا نكتة لابأس بإيرادها. قال الإمام: إن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة هم يوسف عليه السلام، والمرأة، وزوجها والنسوة، والشهود، ورب العالمين، وإبليس، وكلهم قالوا ببراءته عليه السلام عن الذنب فلم يبق لمسلم توقف في هذا الباب، أما يوسف فلقوله:"هي راودتني عن نفسي"وقوله"رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه"وأما المرأة فلقولها"ولقد راودته عن نفسه فاستعصم"و"قالت الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه"وأما زوجها فلقوله"إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم"وأما النسوة فلقولهن"امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبًا إنا لنراها في ضلال مبين"وقولهن"حاش لله ما علمنا عليه من سوء"وأما الشهود فقوله تعالى:"وشهد شاهد من أهلها"إلى آخره.
وأما شهادة الله تعالى بذلك فقوله عز من قائل:"كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين"
وأما إقرار إبليس بذلك فبقوله:"فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين"فأقر بأنه لا يمكنه إغواء العباد المخلصين وقد قال الله تعالى:"إنه من عبادنا المخلصين"فقد أقر إبليس بأنه لم يغوه، وعند هذا نقول هؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف عليه السلام الفضيحة إن كانوا من أتباع دين الله
فليقبلوا شهادة الله تعالى بطهارته، وإن كانوا من أتباع إبليس وجنوده، فليقبلوا إقرار إبليس بطهارته. انتهى كلام الإمام.