(مواعظ مؤثرة)
قال أمير المؤمنين رضي الله عنه لرجل سأله أن يعظه: لم تكن ممن يرجو الآخرة بلا عمل ويرجو التوبة بطول الأمل، يقول في الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل فيها بعمل الراغبين إن أعطي منها لم يشبع، وإن منع لم يقنع، يُنهى ولا ينتهي ويأمر بما لا يأتي، يحب الصالحين ولا يعمل بعملهم، ويبغض المذنبين وهو أحدهم، يكره الموت لكثرة ذنوبه، إن سقم ظل نادمًا وإن صح أمن لاهيًا، يعجب بنفسه إذا عوفي، ويقنط إذا ابتلي، إن أصابه بلاء دعا مضطرًا وإن ناله رخاء أعرض مغترًا، تغلبه نفسه على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن، يخاف على غيره بأدنى من ذنبه ويرجو لنفسه بأكثر من عمله، إن استغنى بطر وفتن، وإن افتقر قنط ووهن، يقصر إذا عمل ويبالغ إذا سئل، إن عرضت له شهوة أسلف المعصية، وسوف التوبة وإن عرته محنة، انفرج عن شرايط الملة، يصف العبر ولا يعتبر، ويبالغ في الموعظة ولا يتعظ، فهو بالقول مدل ومن العمل مقل؛ معل ينافس فيما يفنى، ويسامح فيما يبقى، يرى الغنم مغرمًا، والغرم مغنمًا يخشى الموت ولا يبادر الفوت، يستعظم من معصية غيره ما يستقل أكثر منه من نفسه، ويستكثر من طاعته ما يحقره من طاعة غيره فهو على الناس طاعن، ولنفسه مداهن اللهو مع الأغنياء أحب إليه من الذكر مع الفقراء، يحكم على غيره لنفسه ولا يحكم عليها لغيره، يرشد غيره ويغوي نفسه، فهو يطاع ويعصي، ويستوفي ولا يوفي، ويخشى الخلق في غير ربه، ولا يخشى ربه في خلقه.
قال يحيى بن معاذ في مناجاته: إلهي يكاد رجائي لك مع الذنوب، يغلب على رجائي مع الأعمال، لأني أعتمد في الأعمال على الإخلاص، وكيف لا أحذرها، وأنا بالآفة معروف، وأجدني في الذنوب أعتمد على عفوك وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف.
احصد الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك.