(الحب القاتل)
حكى بعض الثقات قال: اجتزت في بعض أسفاري بحي بني عذرة، فنزلت في بعض بيوته فرأيت جارية قد ألبست من الجمال حلة الكمال فأعجبني حسنها وكلامها، فخرجت في بعض الأيام أدور في الحي؛ وإذا أنا بشاب حسن الوجه عليه أثر الوجد، أضعف من الهلال: وأنحف من الخلال، وهو يوقد نارًا تحت القدر، ويردد أبياتًا، ودموعه تجري على خديه فمما حفظت منه قوله:
فلا عنك لي صبر ولا فيك حيلة ... ولا منك لي بد ولا عنك مهرب
ولي ألف باب قد عرفت طريقه ... ولكن بلا قلب إلى أين أذهب
فلو كان لي قلبان عشت بواحد ... وأفردت قلبًا في هواك يعذب
فسألت عن الشاب وشأنه: فقيل: يهوى الجارية التي أنت نازل في بيت أبيها، وهي محتجبة عنه منذ أعوام، قال: فرجعت إلى البيت، وذكرت لها ما رأيت، فقالت: ذاك ابن عمي، فقلت لها: يا هذه إن للضيف حرمة، فنشدتك بالله إلا متعتيه بالنظر إليك في يومك هذا؛ فقالت: صلاح حاله في أن لا يراني، قال: فحسبت أن امتناعها عنه ضنة منها، فما زلت أقسم عليها حتى أظهرت القبول، وهي متكرهة، فلما قبلت ذلك مني قلت: أنجزي الآن وعدك فداك أبي وأمي، فقال: تقدمني فإني ناهضة في أثرك، فأسرعت نحو الغلام فقلت: أبشر بحضور من تريد فإنها مقبلة نحوك الآن، فبينا أنا أتكلم معه إذ خرجت من خبائها مقبلة تجر أذيالها وقد أثارت الريح غبار أقدامها؛ حتى ستر الغبار شخصها، فقلت للشاب: ها هي وقد أقبلت، فلما نظر إلى الغبار، صعق وخر على النار لوجهه، فما أقعدته إلا وقد أخذت النار من صدره ووجهه فرجعت الجارية وهي تقول: من لا يطيق مشاهدة غبار نعالنا، كيف يطيق مطالعة جمالنا؟!!
أقول: وما أشبه هذه القصة بقصة موسى على نبينا وعليه السلام: {وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} .
قيل لبعض العارفين: هل تعرف بلية لا يرحم من ابتلي بها ونعمة لا يحسد المنعم عليه بها؟ قال هي الفقر؟
ويقال إنه لما سمع بعض العارفين الكلام المشهور: نعمتان مكفورتنان: الصحة والأمان، قال: إن لهما في ذلك ثالثًا لا يشكر عليه أصلًا، بخلاف الصحة والأمن، فإنه قد يشكر عليهما، فقيل: ما هو؟ فقال ذلك الفقر، فإنها نعمة مكفورة من كل من أنعم عليه به، إلا من عصمه الله.