فهرس الكتاب
إن الخروجَ على الحاكمِ المرتد جهادُ دفعٍ مأمورٌ به، وهو فرضُ عينٍ على الأمّةِ ما لم تتحقق الكفاية، وقد نقل ابنُ حجرٍ الإجماعَ على ذلك بقوله: (ينعزلُ الإمامُ بالكفرِ إجماعًا فيجبُ على كلِّ مسلمٍ القيامُ في ذلك، فمن استطاع فله الثوابُ ومن عجزَ فعليه الهجرةُ ومن داهنَ فعليه الإثم) بل الأمرُ بجهادِ الحاكمِ المرتد يدخلُ تحتَ كلِّ الآياتِ والأحاديث الآمرةِ بجهادِ الكفارِ والمرتدين، بينما الخروجُ على الحاكمِ الظالم غيرُ مأمورٍ به أصلًا، وإنما دفعُ ظلمه يدخلُ تحت بعضِ النصوص العامة، بل إنّ الأصلَ هو الأمرُ بالصبر وعدمُ دفعِ ظلمِ الحاكم المسلم إذا كان دفعه سيؤدي لظلمٍ أكبر، بل إنَّ دفعَ الظلمِ بصفةٍ عامةٍ لا يستلزمُ نزعَ اليد من الطاعة، فبأيّ أصلٍ يمكنُ قياسَ الضوابطِ التي وضعها العلماءُ حولَ دفعِ ظلمِ الحاكمِ المسلم الظالم على جهادِ الحاكمِ الكافرِ أو المرتد؟! فإذا علمنا أن أصغرَ طالب علمٍ مبتدئٍ يعلم أن قتلَ النفوس في الجهاد واحتمالَ وقوعِ هزيمةٍ لم يكن أبدًا مفسدةً معتبرةً لتعطيلِ الجهاد، علمنا مقدارَ الدجلِ الذي مارسه القومُ لإدخال مفاسد لم يعتبرها الشارعُ في هذه القضية قياسًا على قضيةٍ أخرى يعتبر فيها الشارعُ هذه المفاسد، فيجب أن نعلم أن المفسدة التي ثبتَ الحكمُ مع وجودها بالدليل الشرعيِّ تكون مفسدةً غير معتبرة.
يدندن القومُ حولَ الأمن والأمان والطمأنينةِ ورغدِ العيش - في ظلّ حكمِ القوانين الوضعية!! - للمجتمعات الإسلامية التي يحكمها المرتدون، وهؤلاء تناسوا أننا في هذه الأوضاع - على الحقيقةِ إذا تم توصيفُ الواقعِ بطريقةٍ سلفيةٍ منضبطةٍ - أقول إنَّ الواجبَ علينا في أوضاع الأمن أشدُّ من الوضع الذي يفرض علينا جهادَ دفعِ العدو الصائل أثناء صياله بكل ما يعنيه ذلك الوضع من عدمِ الرضوخ بحالٍ ومقاومةِ ذلك العدو حتى نهلك دونَ ذلك، وبيانُ ذلك كالتالي:
يتصور البعضُ - بعقليتهم الفذة - أن جهادَ العدوّ الصائل فقط عند بدايةِ قدوم هذا العدو بقواته بينما إذا استقرّ هذا العدوُّ وتحقق له غرضه فإن من المفاسد إفساد ذلك الاستقرار والأمن الذي يعيش فيه الناس!! بينما في الحقيقة أنّ المصلحة - كلَّ المصلحة - في إفسادِ ذلك الاستقرار لأنّ الكافرَ أو المرتد إذا استقرَّ واستتبَّ له حكمُ بلدٍ ما سيبدأ في العمل على إخراج الناس من دينها،
إن ما يبين خذلانَ الله للقوم وعقابه لهم بعدمِ الفهم جراءَ قعودهم، أنهم يجعلون المفاسد التي تقع على المخلّفين تمنع من القيامِ بالجهاد، ولسانُ حالهم يقول إذا قعد قاعدٌ عن الجهاد وتسبب قعوده في تأخير النصر وطول المعركة ووقوع المفسدة عليه وعلى القاعدين أن يتوقف المجاهدون عن الجهاد ويجلسوا بجوار المخلفين الذين هم السبب في ذلك!!).إدارة التوحش ص: 107