ثانيا: أن جواز الفرار في المعركة الواحدة مبني على أساس التحرف للقتال والتحيز للفئة لقوله تعالى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَاوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصِيرُ [الأنفال: 16]
وهذا متصور في المعركة الواحدة ولكنه غير متصور في الانسحاب من الصراع برمته، فإلى أين يتحيز المنسحب من الصراع ولماذا يتحرف؛ ومن تأمل قوله تعالي: {إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ} [الأنفال: 16] علم أن العلة في جواز الفرار هي (العودة للقتال وليس مجرد(الحفاظ على نفس المسلم) كما يفهم من كلام الجويني.
فنفس المسلم ثمينة لأنها مدخرة لإعلاء دين الله ومعاودة القتال في سبيل الله كما قال عليه الصلاة والسلام:"اللهم اشف عبدك يشهد لك صلاة أو ينكأ لك عدوا"
ثالثا: أن المقاتلين في معركة واحدة متواجهين مع عدوهم في مكان وزمان واحد يراهم ويرونه، يرون قوته وحجمه وإمكانية تحركه وهنا يمكنهم بشيء من الخبرة القتالية ــ لا حظ للقاعدين فيها ــ أن يتوقعوا نتائج المعركة، فيواصلو إن طمعوا في النصر، أو ينسحبوا إن أيقنوا بالهزيمة ...
أما بالنسبة لتقييم الصراع برمته فمن أين يبدأ المقيم وأين ينتهي؟ وإن زعم الإحاطة بالواقع فهل أحاط بالمستقبل؟ وهل عرف المفاجئات؟
وإن كان يستند في تقييمه على الموازنة الظاهرة بين الجانبين فكم انتصر من ضعيف وكم هزم من قوي!!
إن تقسيم النتائج النهائية لأي صراع يعتمد على الرؤية الشخصية للمقيّم أكثر مما يعتمد على المحسوس.
والأحكام الشرعية لا تبني على التخرصات وإنما على القرائن الظاهرة والشواهد الحية والظن الغالب المبني على الحس.
50 -قوله: (وكان عمر رضي الله عنه يكتب(ألا تستعملوا البراء على جيش من جيوش المسلمين، فإنه مهلكة من المهالك، يقدم بهم) "أسد الغابة ج1/ص 200"
فهذا البراء القوي الإيمان، الشجاع في جيش قوي متمرس، يعتب عليه عمر رضي الله عنه هذا الإقدام بجيش المسلمين، فهل يقبل ممن هو دونه بكل المعايير!!)