فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 95

كل هذا وغيره يحملهم على حب القعود والفرح والرضا به وكره الجهاد وبغضه، وقد قال تعالى: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة 81] .

قال ابن عطية في المحرر الوجيز:"ولم يفرح إلا منافق فخرج من ذلك الثلاثة وأصحاب العذر"انتهى، ويقصد بالثلاثة كعب بن مالك رضي الله عنه وصاحباه.

روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أن رجالا من المنافقين في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا إذا خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ} ) [آل عمران 188] .

قال ابن حيان في البحر المحيط:"وفي قوله (فَرِحَ) (وَكَرِهُوا) مقابلة معنوية، لأن الفرح من ثمرات المحبة، وفي قوله: {أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} تعريض بالمؤمنين وبتحملهم المشاق العظيمة، أي: كالمؤمنين الذين بذلوا أموالهم وأنفسهم في الجهاد في سبيل الله، وآثروا ذلك على الدعة والخفض، وكره ذلك المنافقون، وكيف لا يكرهونه وما فيهم ما في المؤمنين من باعث الإيمان، والفرح بالقعود يتضمن الكراهة للخروج، وكأن الفرح بالقعود هو لمثل الإقامة ببلده لأجل الألفة والإيناس بالأهل والولد، وكراهة الخروج إلى الغزو لأنه تعريض بالنفس والمال للقتل والتلف"انتهى.

قال سيد قطب في الظلال:"هؤلاء الذين أدركتهم ثقلة الأرض، ثقلة الحرص على الراحة، والشح بالنفقة، وقعد بهم ضعف الهمة وهزال النخوة، وخواء القلب من الإيمان، هؤلاء المخلفون - والتعبير يلقي ظل الإهمال كما لو كانوا متاعًا يخلف أو هملًا يترك - فرحوا بالسلامة والراحة {خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ} وتركوا المجاهدين يلاقون الحر والجهد، وحسبوا أن السلامة غاية يحرص عليها الرجال! {وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} {وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ} وهي قولة المسترخي الناعم الذي لا يصلح لشيء مما يصلح له الرجال، إن هؤلاء لهم نموذج لضعف الهمة، وطراوة الإرادة، وكثيرون هم الذين يشفقون من المتاعب، وينفرون من الجهد، ويؤثرون الراحة الرخيصة على الكدح الكريم، ويفضلون السلامة الذليلة على الخطر العزيز، وهم يتساقطون إعياء خلف الصفوف الجادة الزاحفة العارفة بتكاليف الدعوات، ولكن هذه الصفوف تظل في طريقها المملوء بالعقبات والأشواك، لأنها تدرك"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت