فهرس الكتاب
دام هناك طائفة مجاهدة تقاتل العدو الكافر، فإن ذلك سيفضح نفاقهم وقعودهم عن الجهاد المتعين عليهم، ولكن إذا كان الناس كلهم قاعدون، فإن ذلك لن يفضحهم فهم يعوقون ويخذلون من يريد الخروج من الناس إلى الجهاد، لئلا يخرج، وهم أيضا يطالبون من ذهب إلى الجهاد بالرجوع منه وتركه والكون معهم في بيوته وفي قعودهم.
فالأول يدل عليه قوله تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ} [الأحزاب 18] والثاني يدل عليه تكملة الآية {وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا} [الأحزاب 18] .
أخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله (قد يعلم الله المعوقين منكم) قال: هذا يوم الأحزاب انصرف رجل من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فوجد أخاه بين يديه شواء ورغيف، فقال له: أنت ههنا في الشواء والرغيف والنبيذ ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الرماح والسيوف، قال: هلم إلي لقد بلغ بك وبصاحبك - والذي يحلف به - لا يستقبلها محمد أبدا، قال: كذبت - والذي يحلف به - وكان أخاه من أبيه وأمه، والله لأخبرن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمرك وذهبت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يخبره، فوجده قد نزل جبريل عليه السلام بخبره (قد يعلم المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا) .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (قد يعلم الله المعوقين منكم) قال: هؤلاء أناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم: ما محمدا وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحما لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه، دعوا هذا الرجل، فإنه هالك (والقائلين لإخوانهم) أي من المؤمنين (هلم إلينا) أي دعوا محمدا وأصحابه، فإنه هالك ومقتول (ولا يأتون البأس إلا قليلا) قال: لا يحضرون القتال إلا كارهين، وإن حضروه كانت أيديهم من المسلمين وقلوبهم من المشركين.
وجاء في البحر المحيط لابن حيان:"وقال ابن السائب: هي في عبد الله بن أبيّ، ومعتب بن قشير، ومن رجع من المنافقين من الخندق إلى المدينة، فإذا جاءهم المنافق قالوا له: ويحك اجلس ولا تخرج، ويكتبون إلى إخوانهم في العسكر أن ائتونا فإنا ننتظركم، وكانوا لا يأتون العسكر إلا أن يجدوا بدا من إتيانه، فيأتون ليرى الناس وجوههم، فإذا غفل عنهم عادوا إلى المدينة، فنزلت".