وكذلك يظن الناس بالجماعة المؤمنة، الناس من أمثال أولئك الأعراب المنقطعين عن الله، البور الخالية قلوبهم من الروح والحياة، هكذا يظنون دائمًا بالجماعة المؤمنة عندما يبدو أن كفة الباطل هي الراجحة، وأن قوى الأرض الظاهرة في جانب أهل الشر والضلال، وأن المؤمنين قلة في العدد، أو قلة في العدة، أو قلة في المكان والجاه والمال، هكذا يظن الأعراب وأشباههم في كل زمان أن المؤمنين لا ينقلبون إلى أهليهم أبدًا إذا هم واجهوا الباطل المنتفش بقوته الظاهرة، ومن ثم يتجنبون المؤمنين حبًا للسلامة، ويتوقعون في كل لحظة أن يستأصلوا وأن تنتهي دعوتهم فيأخذون هم بالأحوط ويبعدون عن طريقهم المحفوف بالمهالك! ولكن الله يخيب ظن السوء هذا، ويبدل المواقف والأحوال بمعرفته هو، وبتدبيره هو، وحسب ميزان القوى الحقيقية، الميزان الذي يمسكه الله بيده القوية، فيخفض به قومًا ويرفع به آخرين، من حيث لا يعلم المنافقون الظانون بالله ظن السوء في كل مكان وفي كل حين!"انتهى."
وقال تعالى: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال 49] .
قال ابن حيان في البحر المحيط:" (ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم) هذا يتضمن الرد على من قال: (غر هؤلاء دينهم) فكأنه قيل هؤلاء في لقاء عدوهم هم متوكلون على الله فهم الغالبون، ومن يتوكل على الله ينصره ويعزه، فإن الله عزيز لا يغالب بقوة ولا بكثرة، حكيم يضع الأشياء مواضعها أو حاكم بنصره من يتوكل عليه فيديل القليل على الكثير"انتهى.
وقد أورد القرطبي في قوله تعالى: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي) قال مقاتل: قال المؤمنون: لئن فتح الله لنا مكة والطائف وخيبر وما حولهن رجونا أن يظهرنا الله على فارس والروم، فقال عبد الله بن أبي بن سلول: أتظنون الروم وفارس مثل القرى التي غلبتم عليها؟! والله إنهم لأكثر عددا، وأشد بطشا من أن تظنوا فيهم ذلك، فنزلت (لأغلبن أنا ورسلي) .
ويظنون أن الكفار لا يمكن أن يهزموا كما قال تعالى عنهم في غزوة الخندق: {يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا} [الأحزاب 20] .