وقد قال تعالى في سبب تخلف المنافقين عن الخروج مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند مسيره إلى مكة: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا} [الفتح 12] .
قال ابن جرير في تفسيره:"يقول تعالى ذكره لهؤلاء الأعراب المعتذرين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند منصرفه من سفره إليهم بقولهم (شغلتنا أموالنا وأهلونا) ما تخلفتم خلاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين شخص عنكم، وقعدتم عن صحبته من أجل شغلكم بأموالكم وأهليكم، بل تخلفتم بعده في منازلكم، ظنا منكم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من أصحابه سيهلكون، فلا يرجعون إليكم أبدا باستئصال العدو إياهم (وزين ذلك في قلوبكم) وحسن الشيطان ذلك في قلوبكم، وصححه عندكم حتى حسن عندكم التخلف عنه، فقعدتم عن صحبته (وظننتم ظن السوء) يقول: وظننتم أن الله لن ينصر محمدا - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه المؤمنين على أعدائهم، وأن العدو سيقهرونهم ويغلبونهم فيقتلونهم".
قال سيد قطب في الظلال على الآية:"وهكذا يقفهم عرايا مكشوفين، وجهًا لوجه أمام ما أضمروا من نية، وما ستروا من تقدير، وما ظنوا بالله من السوء، وقد ظنوا أن الرسول من معه ومن المؤمنين ذاهبون إلى حتفهم، فلا يرجعون إلى أهليهم بالمدينة، وقالوا: يذهب إلى قوم قد غزوه في عقر داره بالمدينة، وقتلوا أصحابه فيقاتلهم! يشيرون إلى أحد والأحزاب ولم يحسبوا حسابًا لرعاية الله وحمايته للصادقين المتجردين من عباده كما أنهم - بطبيعة تصورهم للأمور وخلو قلوبهم من حرارة العقيدة - لم يقدروا أن الواجب هو الواجب، بغض النظر عن تكاليفه كائنة ما كانت، وأن طاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجب أن تكون بدون النظر إلى الربح الظاهري والخسارة الشكلية، فهي واجب مفروض يؤدى دون نظر إلى عاقبة أخرى وراءه."
لقد ظنوا ظنهم، وزين هذا الظن في قلوبهم، حتى لم يروا غيره، ولم يفكروا في سواه، وكان هذا هو ظن السوء بالله، الناشئ من أن قلوبهم بور، وهو تعبير عجيب موح، فالأرض البور ميتة جرداء، وكذلك قلوبهم، وكذلك هم بكل كيانهم، بور، لا حياة ولا خصب ولا إثمار، وما يكون القلب إذ يخلو من حسن الظن بالله؟ لأنه انقطع عن الاتصال بروح الله؟ يكون بورًا، ميتًا أجرد نهايته إلى البوار والدمار.