فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 95

عظيما وبلغت القلوب الحناجر؛ لعظم البلاء؛ لا سيما لما استفاض الخبر بانصراف العسكر إلى مصر وتقرب العدو وتوجهه إلى دمشق، وظن الناس بالله الظنونا، هذا يظن أنه لا يقف قدامهم أحد من جند الشام حتى يصطلموا أهل الشام، وهذا يظن أنهم لو وقفوا لكسروهم كسرة وأحاطوا بهم إحاطة الهالة بالقمر، وهذا يظن أن أرض الشام ما بقيت تسكن ولا بقيت تكون تحت مملكة الإسلام، وهذا يظن إنهم يأخذونها ثم يذهبون إلى مصر فيستولون عليها فلا يقف قدامهم أحد فيحدث نفسه بالفرار إلى اليمن ونحوها، وهذا - إذا أحسن ظنه - قال: إنهم يملكونها العام كما ملكوها عام هولاكو سنة سبع وخمسين، ثم قد يخرج العسكر من مصر فيستنقذها منهم كما خرج ذلك العام، وهذا ظن خيارهم، وهذا يظن أن ما أخبره به أهل الآثار النبوية وأهل التحديث والمبشرات أماني كاذبة وخرافات لاغية، وهذا قد استولى عليه الرعب والفزع حتى يمر الظن بفؤاده مر السحاب ليس له عقل يتفهم ولا لسان يتكلم، وهذا قد تعارضت عنده الأمارات وتقابلت عنده الإرادات؛ لا سيما وهو لا يفرق من المبشرات بين الصادق والكاذب، ولا يميز في التحديث بين المخطئ والصائب، ولا يعرف النصوص الأثرية معرفة العلماء؛ بل إما أن يكون جاهلا بها وقد سمعها سماع العبر ثم قد لا يتفطن لوجوه دلالتها الخفية ولا يهتدي لدفع ما يتخيل أنه معارض لها في بادئ الروية، فلذلك استولت الحيرة على من كان متسما بالاهتداء وتراجمت به الآراء تراجم الصبيان بالحصباء (هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا) ابتلاهم الله بهذا الابتلاء الذي يكفر به خطيئاتهم ويرفع به درجاتهم وزلزلوا بما يحصل لهم من الرجفات ما استوجبوا به أعلى الدرجات.

قال الله تعالى: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) وهكذا قالوا في هذه الفتنة فيما وعدهم أهل الوراثة النبوية والخلافة الرسالية وحزب الله المحدثون عنه، حتى حصل لهؤلاء التأسي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) فأما المنافقون فقد مضى التنبيه عليهم.

وأما الذين في قلوبهم مرض فقد تكرر ذكرهم في هذه السورة، فذكروا هنا وفي قوله (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة) وفي قوله (فيطمع الذي في قلبه مرض) وذكر الله مرض القلب في مواضع، فقال تعالى: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم) والمرض في القلب كالمرض في الجسد فكما أن هذا هو إحالة عن الصحة والاعتدال من غير موت، فكذلك قد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت