فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 95

يكون في القلب مرض يحيله عن الصحة والاعتدال من غير أن يموت القلب سواء أفسد إحساس القلب وإدراكه أو أفسد عمله وحركته، وذلك - كما فسروه: هو من ضعف الإيمان؛ إما بضعف علم القلب واعتقاده وإما بضعف عمله وحركته، فيدخل فيه من ضعف تصديقه ومن غلب عليه الجبن والفزع؛ فإن أدواء القلب من الشهوة المحرمة والحسد والجبن والبخل وغير ذلك كلها أمراض، وكذلك الجهل والشكوك والشبهات التي فيه، وعلى هذا فقول (فيطمع الذي في قلبه مرض) هو إرادة الفجور وشهوة الزنا كما فسروه به، ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (وأي داء أدوأ من البخل؟) وقد جعل الله تعالى كتابه شفاء لما في الصدور وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (إنما شفاء العي السؤال) وكان يقول في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء) ولن يخاف الرجل غير الله إلا لمرض في قلبه كما ذكروا أن رجلا شكا إلى أحمد بن حنبل خوفه من بعض الولاة فقال: لو صححت لم تخف أحدا، أي خوفك من أجل زوال الصحة من قلبك، ولهذا أوجب الله على عباده أن لا يخافوا حزب الشيطان؛ بل لا يخافون غيره تعالى فقال: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) أي يخوفكم أولياءه، وقال لعموم بني إسرائيل تنبيها لنا: (وإياي فارهبون) وقال: (فلا تخشوا الناس واخشون) وقال: (لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني) وقال تعالى: (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون) وقال: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله) وقال: (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله) وقال: (ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه) فدلت هذه الآية - وهي قوله تعالى: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض) - على أن المرض والنفاق في القلب يوجب الريب في الأنباء الصادقة التي توجب أمن الإنسان: من الخوف حتى يظنوا أنها كانت غرورا لهم كما وقع في حادثتنا هذه سواء، ثم قال تعالى: (وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا) وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد عسكر بالمسلمين عند سلع وجعل الخندق بينه وبين العدو، فقالت طائفة منهم: لا مقام لكم هنا؛ لكثرة العدو، فارجعوا إلى المدينة، وقيل: لا مقام لكم على دين محمد فارجعوا إلى دين الشرك، وقيل: لا مقام لكم على القتال فارجعوا إلى الاستئمان والاستجارة بهم، وهكذا لما قدم هذا العدو كان من المنافقين من قال: ما بقيت الدولة الإسلامية تقوم فينبغي الدخول في دولة التتار، وقال بعض الخاصة: ما بقيت أرض الشام تسكن؛ بل ننتقل عنها إما إلى الحجاز واليمن وإما إلى مصر، وقال بعضهم: بل المصلحة الاستسلام لهؤلاء كما قداستسلم لهم أهل العراق والدخول تحت حكمهم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت