فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 95

فهذه المقالات الثلاث قد قيلت في هذه النازلة، كما قيلت في تلك، وهكذا قال طائفة من المنافقين والذين في قلوبهم مرض لأهل دمشق خاصة والشام عامة: لا مقام لكم بهذه الأرض، ونفي المقام بها أبلغ من نفي المقام، وإن كانت قد قرئت بالضم أيضا، فإن من لم يقدر أن يقوم بالمكان فكيف يقيم به؟.

قال الله تعالى: (ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا) وكان قوم من هؤلاء المذمومين يقولون - والناس مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عند سلع داخل الخندق والنساء والصبيان في آطام المدينة: يا رسول الله إن بيوتنا عورة، أي مكشوفة ليس بينها وبين العدو حائل، - وأصل العورة: الخالي الذي يحتاج إلى حفظ وستر، يقال: اعور مجلسك إذا ذهب ستره أو سقط جداره، ومنه عورة العدو - وقال مجاهد والحسن: أي ضائعة تخشى عليها السراق، وقال قتادة: قالوا: بيوتنا مما يلي العدو فلا نأمن على أهلنا فائذن لنا أننذهب إليها لحفظ النساء والصبيان، قال الله تعالى: (وما هي بعورة) لأن الله يحفظها (إن يريدون إلا فرارا) فهم يقصدون الفرار من الجهاد ويحتجون بحجة العائلة، وهكذا أصاب كثيرا من الناس في هذه الغزاة، صاروا يفرون من الثغر إلى المعاقل والحصون وإلى الأماكن البعيدة كمصر، ويقولون: ما مقصودنا إلا حفظ العيال وما يمكن إرسالهم مع غيرنا، وهم يكذبون في ذلك، فقد كان يمكنهم جعلهم في حصن دمشق لو دنا العدو، كما فعل المسلمون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد كان يمكنهم إرسالهم والمقام للجهاد، فكيف بمن فر بعد إرسال عياله؟.

قال الله تعالى: (ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا) فأخبر أنه لو دخلت عليهم المدينة من جوانبها ثم طلبت منهم الفتنة - وهي الافتتان عن الدين بالكفر أو النفاق - لأعطوا الفتنة، ولجئوها من غير توقف، وهذه حال أقوام لو دخل عليهم هذا العدو المنافق المجرم، ثم طلب منهم موافقته على ما هو عليه من الخروج عن شريعة الإسلام - وتلك فتنة عظيمة - لكانوا معه على ذلك، كما ساعدهم في العام الماضي أقوام بأنواع من الفتنة في الدين والدنيا ما بين ترك واجبات وفعل محرمات إما في حق الله وإما في حق العباد، كترك الصلاة وشرب الخمور وسب السلف وسب جنود المسلمين والتجسس لهم على المسلمين ودلالتهم على أموال المسلمين وحريمهم، وأخذ أموال الناس وتعذيبهم وتقوية دولتهم الملعونة وإرجاف قلوب المسلمين منهم إلى غير ذلك من أنواع الفتنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت