فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 95

ثم قال تعالى: (ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا) وهذه حال أقوام عاهدوا ثم نكثوا قديما وحديثا في هذه الغزوة، فإن في العام الماضي وفي هذا العام: في أول الأمر كان من أصناف الناس من عاهد على أن يقاتل ولا يفر ثم فر منهزما لما اشتد الأمر، ثم قال الله تعالى: (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا) فأخبر الله أن الفرار لا ينفع لا من الموت ولا من القتل، فالفرار من الموت كالفرار من الطاعون، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه) والفرار من القتل كالفرار من الجهاد، وحرف"لن"ينفي الفعل في الزمن المستقبل، والفعل نكرة، والنكرة في سياق النفي تعم جميع أفرادها، فاقتضى ذلك: أن الفرار من الموت أو القتل ليس فيه منفعة أبدا، وهذا خبر الله الصادق، فمن اعتقد أن ذلك ينفعه فقد كذب الله في خبره،

والتجربة تدل على مثل ما دل عليه القرآن، فإن هؤلاء الذين فروا في هذا العام لم ينفعهم فرارهم؛ بل خسروا الدين والدنيا وتفاوتوا في المصائب، والمرابطون الثابتون نفعهم ذلك في الدين والدنيا حتى الموت الذي فروا منه كثر فيهم، وقل في المقيمين، فما منع الهرب من شاء الله، والطالبون للعدو والمعاقبون له لم يمت منهم أحد ولا قتل؛ بل الموت قل في البلد من حين خرج الفارون، وهكذا سنة الله قديما وحديثا، ثم قال تعالى: (وإذا لا تمتعون إلا قليلا) يقول: لو كان الفرار ينفعكم لم ينفعكم إلا حياة قليلة ثم تموتون، فإن الموت لا بد منه، وقد حكي عن بعض الحمقى أنه قال: فنحن نريد ذلك القليل، وهذا جهل منه بمعنى الآية، فإن الله لم يقل: إنهم يمتعون بالفرار قليلا، لكنه ذكر أنه لا منفعة فيه أبدا، ثم ذكر جوابا ثانيا، أنه لو كان ينفع لم يكن فيه إلا متاع قليل، ثم ذكر جوابا ثالثا وهو أن الفار يأتيه ما قضي له من المضرة ويأتي الثابت ما قضي له من المسرة، فقال: (قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا) ونظيره: قوله في سياق آيات الجهاد (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) الآية وقوله (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير) فمضمون الأمر: أن المنايا محتومة فكم من حضر الصفوف فسلم وكم ممن فر من المنية فصادفته كما قال خالد بن الوليد - لما احتضر - لقد حضرت كذا وكذا صفا وأن ببدني بضعا وثمانين ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء، ثم قال تعالى: (قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا) قال العلماء: كان من المنافقين من يرجع من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت