الخندق فيدخل المدينة فإذا جاءهم أحد قالوا له: ويحك اجلس فلا تخرج، ويكتبون بذلك إلى إخوانهم الذين بالعسكر: أن ائتونا بالمدينة فإنا ننتظركم، يثبطونهم عن القتال، وكانوا لا يأتون العسكر إلا ألا يجدوا بدا، فيأتون العسكر ليرى الناس وجوههم، فإذا غفل عنهم عادوا إلى المدينة، فانصرف بعضهم من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فوجد أخاه لأبيه وأمه وعنده شواء ونبيذ، فقال: أنت ههنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الرماح والسيوف؟ فقال: هلم إلي فقد أحيط بك وبصاحبك.
فوصف المثبطين عن الجهاد - وهم صنفان - بأنهم إما أن يكونوا في بلد الغزاة أو في غيره فإن كانوا فيه عوقوهم عن الجهاد بالقول أو بالعمل أو بهما، وإن كانوا في غيره راسلوهم أو كاتبوهم: بأن يخرجوا إليهم من بلد الغزاة ليكونوا معهم بالحصون أو بالبعد، كما جرى في هذه الغزاة، فإن أقواما في العسكر والمدينة وغيرهما صاروا يعوقون من أراد الغزو وأقواما بعثوا من المعاقل والحصون وغيرها إلى إخوانهم: هلم إلينا، قال الله تعالى فيهم: (ولا يأتون البأس إلا قليلا أشحة عليكم) أي بخلاء عليكم بالقتال معكم والنفقة في سبيل الله، وقال مجاهد: بخلاء عليكم بالخير والظفر والغنيمة، وهذه حال من بخل على المؤمنين بنفسه وماله أو شح عليهم بفضل الله: من نصره ورزقه الذي يجريه بفعل غيره، فإن أقواما يشحون بمعروفهم وأقواما يشحون بمعروف الله وفضله، وهم الحساد.
ثم قال تعالى: (فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت) من شدة الرعب الذي في قلوبهم يشبهون المغمى عليه وقت النزع، فإنه يخاف ويذهل عقله ويشخص بصره ولا يطرف، فكذلك هؤلاء؛ لأنهم يخافون القتل (فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد) ويقال في اللغة"صلقوكم"وهو رفع الصوت بالكلام المؤذي، ومنه"الصالقة"وهي التي ترفع صوتها بالمصيبة، يقال: صلقه وسلقه - وقد قرأ طائفة من السلف بها؛ لكنها خارجة عن المصحف - إذا خاطبه خطابا شديدا قويا، ويقال: خطيب مسلاق: إذا كان بليغا في خطبته؛ لكن الشدة هنا في الشر لا في الخير، كما قال (بألسنة حداد أشحة على الخير) وهذا السلق بالألسنة الحادة يكون بوجوه: تارة يقول المنافقون للمؤمنين: هذا الذي جرى علينا بشؤمكم؛ فإنكم أنتم الذين دعوتم الناس إلى هذا الدين وقاتلتم عليه وخالفتموهم؛ فإن والثبات بهذا الثغر إلى هذا الوقت وإلا فلو كنا سافرنا قبل هذا لما أصابنا هذا، وتارة يقولون - أنتم مع قلتكم وضعفكم - تريدون أن تكسروا العدو وقد غركم دينكم كما قال تعالى: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله