هذا بداية رد الشيخ التيدي على السنهوري:
ونحن لا نرد عليه بمثلٍ واحد , بل بتسعة أعشار نصوص القانون الفرنسي المدني في كتابنا هذا (المقارنات) , ونقول له في أذنه: على رسلك فليس الأخذ من مذهب الإمام مالك وليد سنة 1805م. لا يا سيدي , بل منذ سنة 200 من الهجرة , يوم كان يُحكم به في أوروبا , وكان الأندلس منار العلم , وكانت أوروبا في جهالة عمياء يبيعون الإقطاعية بما عليها وبمن عليها , ويوم أن كان لا يتزوج عامل في إقطاعية بإمرأة إلا بعد أن تمر على السنيور , وكلما مكثت في منزله زاد شرف الخطيب.
في غياهب الجهل ومجاهل التوحش دخل الإسلام أوروبا , وحكم أهلها , وأسس فيها قواعده العادلة , ووفد على الأندلس جميع سكان أوروبا يغترفون من النور والعلم وأسس الحياة الصحيحة.
هناك يا سيدي كان مذهب مالك أدخله فيها"زياد بن عبد الرحمن القرطبي"الملقب بـ"شبطون", وهذا في حكم هشام بن عبد الرحمن (سنة 171 - 180 هـ) , فلم تأت سنة 200 هـ حتى تقلص مذهب الأوزاعي , وساد المذهب المالكي في الحكم والقضاء. أما ما ذُكر من أصول مأخذ القانون الفرنسي مما تعرفه أنت ودرسته أنا , فهو نتيجة إجماع سكوتي من أعداء التشريع الإسلامي يتناقله علماء القانون الوضعي جيلا بعد جيل , ولا يذكرون التشريع الإسلامي حتى كأنه ما كان موجودا في الوجود , فإن ذكرت لك أن انعقاد البيع ولزومه يتم بالإيجاب والقبول فقط وتنتقل الملكية للمشتري بذلك , وأن انتقال الملكية للموكل بمجرد تعاقد الوكيل , وأن البلوغ القانوني حده 18 سنة , وأن من نتائج حكم إلغاء العقد أن عديم الأهلية ليس مُلزَمًا برد ما قبضه من الطرف الآخر إلا إذا استفاد به واصٍ ماله , وإلا فلا رجوع عليه , لأن من تعاقد معه سلطه على ماله فهو المفرط؛ وأن موت أحد المتعاقدين لا يبطل العقد إلا إذا كان أحد الطرفين ملحوظًا في العقد كالشركة والوكالة وإيجار العمل؛ وأن أداء ما ليس بواجب يُلزم من أخذ برد ما أخذه .. إلخ. فماذا تقول؟
وهذه قطرة من بحر. كل هذا منقول من مذهب الإمام مالك وهو في القانون المدني الفرنسي , فهل هذا مأخوذ من القانون الروماني؟ كلا! لأن حكم هذه الأشياء معروفٌ في القانون الروماني , وقد طارده وأماته التشريع الإسلامي في البلاد التي نشر ظله الوارف فيها.
أخيرا هو الكره والداء الدفين للإسلام وتشريع الإسلام وللمسلمين. ولكن إن للدين ربًا يحميه.