فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 268

وأكثر القوانين الوضعية لا تعاقب على شرب الخمر ,ولا تعاقب على السُّكْر لذاته , وإنما تعاقب السكران إذا وجد في الطريق العام في حال سُكْر بيّن , فالعقاب على وجوده في حالة سُكْر بيّن في الطريق العام , لأن وجوده في هذا الحال يُعرِّض الناس لأذاه واعتدائه , وليس العقاب على السُّكْر لذاته باعتباره رذيلة , ولا على شرب الخمر باعتبار أن شربها مُضِرّ بالصحة , متلف للمال , مفسد للأخلاق.

أما الشريعة فتعاقب على مجرد شرب الخمر , ولو لم يسكر منه الشارب , لأنها تنظر إلى الجريمة من الوجهة الخلقية التي تتسع -كما نعلم - لشتى المناحي والإعتبارات , فإذا صينت الأخلاق فقد صينت الصحة والأعراض والأموال والدماء وحفظ الأمن والنظام. والعلة في اهتمام الشريعة بالأخلاق على هذا الوجه , أن الشريعة تقوم على الدين , وأن الدين يأمر بمحاسن الأخلاق , ويحث على الفضائل , ويهدف إلى تكوين الجماعة الصالحة الخيّرة ,ولما كان الدين لا يقبل التغيير ولا التبديل , ولا الزيادة والنقص , فمعنى ذلك أن الشريعة ستظل ما بقي الدين الإسلامي حريصةً على حماية الأخلاق , آخذة بالشدة من يحاول العبث بها.

والعلة في استهانة القوانين الوضعية بالأخلاق , أن هذه القوانين لا تقوم على أساس من الدين , وإنما تقوم على أساس من الواقع وما تعارف الناس عليه من عادات وتقاليد. والقواعد القانونية الوضعية يضعها عادة الأفراد الظاهرون في المجتمع بالإشتراك مع الحكام , وهم يتأثرون حين وضعها بأهوائهم , وضعفهم البشري , ونزعاتهم الطبيعية إلى التحلل من القيود.

كذلك فإن هذه القواعد قابلة للتغيير والتبديل بحسب أهواء القائمين على أمر الجماعة. فكان من الطبيعي أن تهمل القوانين الوضعية المسائل الأخلاقية شيئًا فشيئًا , وأن يأتي وقت تصبح فيه الإباحية هي القاعدة , والأخلاق الفاضلة هي الإستثناء , ولعل البلاد التي تطبق القوانين الوضعية قد وصلت إلى هذا الحد الآن.

ويترتب على هذا الفرق بين الشريعة والقوانين الوضعية , أن يزيد عدد الأفعال التي تُكوِّن الجرائم الأخلاقية , ويتسع مداها في البلاد التي تطبق الشريعة , وأن يرتفع مستوى الأخلاق والقيم الروحية إلى أعلى درجاته في هذه البلاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت