الآراء في التشريع؛ لأن الشريعة جاءت من عند الله على لسان رسوله ليُعمل بها في كل زمان ومكان , فتطبيقها ليس محدودًا بزمن , ولا مقصورًا على أشخاص أو أجيال أو أجناس , وهي واجبة التطبيق حتى تلغى أو تنسخ , ولا يمكن أن تلغى أو تنسخ؛ لأن القاعدة الأساسية في الشريعة الإسلامية - بل وفي القوانين الوضعية الحديثة - أن النصوص لا ينسخها إلا نصوص في مثل قوتها أو أقوى منها , أي نصوص صادرة من نفس الشارع أو من هيئة لها من سلطان التشريع مثل ما للهيئة التي أصدرت النصوص المراد نسخها , أو من هيئة يزيد سلطانها التشريعي على سلطان من أصدر النصوص المطلوب نسخها ,
فالنصوص الناسخة إذن يجب أن تكون قرآنًا أو سُنّة حتى يمكن أن تنسخ ما لدينا من قرآن وسُنّة , وليس بعد الرسول قرآن حيث انقطع الوحي , ولا سنة حيث تُوفي الرسول ,
ولا يمكن أن يُقال إن ما يصدر عن هيئاتنا التشريعية البشرية في درجة القرآن والسنة , أو أن لها من سلطان التشريع مالله وللرسول , ولكن الذي يمكن أن يُقال - وهو الواقع - أن أُولي الأمر منا لا يملكون حق التشريع , وإنما لهم حق التنفيذ أو التنظيم ,فالتشريع من حق الله والرسول , وقد انتهى عهده بوفاة الرسول , واستقرّ أمره بانقطاع الوحي , والتنفيذ والتنظيم لأولي الأمر , فلهم أن يصدروا قوانين ولوائح وأوامر تنفيذا لما شرعه الله ورسوله , ولهم أن يُنظموا الجماعة ويوجهوها طبقا لما شرعه الله ورسوله , فالله قد تكفل بوضع التشريعات الأصلية وشرع على لسان رسوله نصوصًا وأحكامًا أساسية , وأوجب على أولي الأمر تنفيذها كما هي , كما أوجب عليهم أن ينظموا الجماعة ويوجهوها على أساسها ,
ولهم في سبيل أداء هذا الواجب أن يصدروا القوانين والمراسيم واللوائح والقرارات التي تضمن تنفيذ هذه التشريعات الأساسية , وإقامة الجماعة على أساسها , ولكن ليس لهم بأي حال أن يُعطِّلوا التشريعات الأساسية أو يلغوها؛ لأن ذلك خارج عن سلطانهم ولا يتسع له مقدورهم.] [1]
ما أحوج الإخوان والدعوة السلفية بالأسكندرية إلى هذه الحقيقة التي بيّنها المستشار عودة رحمه الله , عليهم أن يتعلموا أنه ليس من حقهم إقرار الكفر والشرك , وليس من حقهم أن يُقِرُّوا تعطيل الشريعة , وليس من حقهم أبدًا أن يُقروا سيادة القانون الوضعي الذي يلغي الشريعة ويُعطلها ولا
(1) - التشريع الجنائي: 1/ 203 - 204.