حتى أنابيب الماء دليل على ماذا؟ أنه هو الذي صنعها, وكلما ضعف في جانب العلم دل على أنه ليس هو الذي صنعها وقدرها على هذا النحو, ولهذا كمل الله جل وعلا علمًا فكمل تقديرًا, وثمة تلازم في هذا الباب بين العلم والقدر, فمن نفى القدر يلزم منه أن ينفي العلم؛ فكيف يقدر من لا يعلم؟ فلا بد أن يكون الذي قدر ذلك هو العالم, ثم أيضًا من قال: إن الله عز وجل لم يقدر على الخلق شيء, يلزم من ذلك أنه لا يعلم ما يكون, ما يسقط من ورق الشجر, ودقائق الخلق, وحال الإنسان, وعمره, وأجله, دقائق الإنسان وتفاصيله وكم يولد له, هذه الدقائق وتفاصيل الجزئيات مما يدق عن ذهن الإنسان عن استيعابه إذا أثبتناه علمًا لله عز وجل؛ هذه الدقة المتناهية في هذا العلم؛ هل هذا دليل على وجود القدر أو عدمه؟ على وجود القدر, ولكن نقول: إن نفاة القدر على نحوين في باب العلم:
النحو الأول: ينفون القدر ويلتزمون بنفي العلم, تعالى الله عن ذلك, وهؤلاء طائفة شبه انقرضت.
النحو الثاني: ينفون القدر ولا ينفون العلم, وهؤلاء يقعون في التناقض، ولهذا يقول الإمام أحمد وكذلك الإمام الشافعي يقول: يخاصم القدرية بالعلم, فإن أثبتوه أثبتوا القدر, وإن نفوا القدر فيلزم من ذلك نفي العلم, وحينئذ يكفرون أشد بنفيهم للعلم, ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى يقدر كل شيء على خلقه ولو كان يسيرًا.
وفرق بين القضاء والقدر, القضاء أوسع من معنى القدر, القدر المراد بذلك هو: الأمر الكوني, وأما القضاء فهو شامل للكوني والشرعي, شامل للأمر الكوني والشرعي, ولهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23] , هذا قضاء شرعي, ولهذا يقول عبد الله بن مسعود كما في تفسيره, قال: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23] , قال: أمر ووصى, فبعضهم يستدل بالقضاء الشرعي على القضاء القدري الكوني, وليس كذلك, فإذا أطلق القضاء في الشريعة فالأصل فيه الكون والتدبير الكوني وما يكتبه الله سبحانه وتعالى على عباده وعلى المخلوقات.
ويقول هنا: والقدر خيره وشره من الله سبحانه وتعالى, يذكر العلماء القدر خيره وشره من الله, ويذكرون الشر والخير لأنه من دواعي نفي القدر أن نفوس بعض الناس يريدون تنزيهًا بنفي القدر أن الله لا يقدر الشر على الناس, لا يقدر الأذية الكونية بالغرق والحرق والتعذيب, أن يدفن الإنسان ويهلك, ويموت أو يحرق, أو يؤذى, أو غير ذلك, هي مشاعر توجد في نفس الإنسان يربط بها أمر الله سبحانه وتعالى, وليس كذلك؛ لماذا؟ لأن أمور الله عز وجل لا ترتبط بمشاعر الإنسان, فالله سبحانه وتعالى له صفات وله أسماء لا تتعلق بما يدركه الإنسان, فإن الله عز وجل لا يحيط أحد به شيئًا إلا بما أذن الله جل وعلا به. والقدر على ما تقدم هو: التقدير, ولازم القدر على ما تقدم: العلم, لهذا نقول: لدينا العلم ولدينا الكتابة ولدينا أيضًا التقدير ومشيئة