فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 76

الله سبحانه وتعالى, والمشيئة على نوعين: مشيئة الله سبحانه وتعالى, ومشيئة العبد, ولا يشاء العبد إلا بعد مشيئة الله سبحانه وتعالى, ولذلك يقول الله جل وعلا: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30] , ومشيئة الله سبحانه وتعالى هي السابقة, ومشيئة العبد اللاحقة, يقدرها الله جل وعلا, مشيئة الله ماضية, ومشيئة العبد قاصرة, وهي خاضعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى, ومن دواعي النفي عند بعض الطوائف في هذا الباب كالمعتزلة الذين ينفون القدر, يريدون تنزيهًا, أي: أن الله لا يقدر الشر على عبده ثم يعذبه عليه, ولكن نقول: إن الله سبحانه وتعالى أثبت مشيئة للإنسان, وبها يعذب, فلا يعذب الإنسان إلا لاختياره ومشيئته, فإذا وقع له اختيار وقع عليه العقاب, وإذا نزل عليه القدر بلا مشيئة منه فإنه لا يعذب على ذلك؛ كالذي يسقط ويقتل أحدًا, أو يطعم ضيفًا ولا يعلم ثم يموت ذلك الضيف, لا يعذبه الله عز وجل بتسمم ذلك الطعام؛ لأنه ليس اختيارًا منه, هل وجد له مشيئة اختيارية؟ ليس له, لا يوجد هذا, وإنما هو أمر من الله سبحانه وتعالى قدر, ولهذا نقول: إن الله عز وجل يعاقب العبد على مشيئة العبد التي جعلها فيه, فنفاة القدر استشكلوا أن الله يقدر على العبد وغاب عنهم مشيئة العبد فنفوا القدر كله, مسألة القدر وتقدير الله عز وجل ولوازم ذلك هذه من المسائل التي حيرت كثير من الطوائف, حتى ما قبل الإسلام, من الفلاسفة سواء كانوا من اليونان, من الرومان, من البابليين وغير ذلك, منهم من يربط ذلك بأمر الكواكب؛ كالبابليين, ويجعلون تأثير أحوال الناس لها مؤثرات, كل يؤمن بمؤثر, منهم من ينفي ذلك؛ يقول: إن الله عز وجل خلق الخلق وجعل له نظام, هذا النظام انفك عن الله سبحانه وتعالى, جعله يجري وفق أسباب, لم يقدر الله عز وجل على أحد شيء؛ وهذا كفلاسفة اليونان؛ كأرسطو وأفلاطون وسقراط وغير ذلك يقولون: إن الله خلق الخلق, ثمة خالق, يؤمنون بوجود خالق, يقولون: خالق, ووضع معادلات وأسباب, وهذه الأسباب تدور في فلكها المخلوقات, وأما الله فلا شأن له بذلك؛ لأن الله عز وجل فعل ذلك اختيارًا منه, أرادوا من ذلك تنزيهًا للخالق, وإثباتًا لقدرة الإنسان, ولهذا يقول العلماء: أن القدرية نفاة القدر مجوس هذه الأمة؛ لماذا؟ لأن المجوس يؤمنون بوجود خالقين: الظلمة تخلق الشر, والنور يخلق الخير, قالوا: وجود خالقين عند القدرية نفاة القدر يثبتون وجود خالقين: خالق لفعله وهو الإنسان, وخالق الإنسان هو الله, قالوا: فلم يخلق الفعل إلا الإنسان, ولم يخلق الإنسان إلا الله, فهذه عقيدة المجوس, ومنها أخذ الرافضة نفي القدر, لهذا نستطيع أن نقول: إن الطوائف في أمور القدر على ثلاثة فرق:

الأولى: قدرية: وهم نفاة القدر, يقولون: لا يوجد قدر, وأن الأمر أُنُف, يعني: يستأنف, لا يكون إلا عند حدوثه.

الثانية: الجبرية, وهم الذين أرادوا تنزيهًا أيضًا أن يكون للإنسان مشيئة لا يريدها الله سبحانه وتعالى, فجعلوا الإنسان مجبور, والتزموا بلوازم ضالة لما وضعوا هذا الأصل, قالوا: كيف يقع عليه العقاب والله يجبره وليس له مشيئة؟ ولَّدوا جملة من المعاني, قالوا: لا يوجد نار, فحملوا معنى النار على شيء من المعاني, ورد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت