يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني, ثم الذين يلونهم, ثم الذين يلونهم) , والمراد بذلك هو المجموع, والصحابة عليهم رضوان الله أدناهم منزلة هو خير من أعلى ممن جاء بعدهم, ممن يأتي بعدهم, ولهذا قد سئل ابن المبارك عليه رحمة الله عن معاوية أيهما أفضل هو أو عمر بن عبد العزيز؟ قال: لغبار دخل في أنف معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من عمر بن عبد العزيز؛ لأن الفضل هو بمن صاحب؛ لأن وجود الصحابة ولو رقمًا وعددًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم له أثر على رسالته, ولهذا يوجد في التابعين من هو أكثر عبادة من الصحابة, ولكن ليس بأكثر نصرة, فوجود واحد منهم وقوفًا بجوار رسول الله في غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم من قيام المتأخرين الليل كل أعمارهم؛ لأن قيامه ووجوده عددًا يورث قوة ونصرة وعزة وتمكينًا في نصرة أصل الدين وحامله ومبلغه وهو: رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذكر من معه, وذكر عدد من معه, والأفواج الذين معه, والذين جالسوه, والذين يأتون معه ولو أجسامًا, أولئك أعظم ممن يأتي بعدهم, وهذا الأمر يغيب, وما أولئك بالمعصومين أيضًا, فضلهم لا يعني عصمتهم, فليسوا بمعصومين, يخطئون, وخطأهم دون خطأ غيرهم, وفضلهم سابق لفضل غيرهم, ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) , ويقول كما جاء في حديث أبي موسى: (أصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون) , وفضل الصحابة بالاتفاق عند أهل السنة أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى أفضلهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار, وأن من أسلم وسبق إلى الحق مجاهدًا منفقًا قبل الفتح أفضل ممن كان بعده؛ والسبب في ذلك أن اتباع الحق والتمسك به في زمن ضعفه دليل على التصديق برسالته والإيمان بذلك, فالدافع في هذا مع ضعف الأسباب المادية أمارة على ماذا؟ على اليقين, وإذا قويت الأسباب المادية اشتُرِك في ذلك دافع الإيمان, قوة الإيمان مع قوة الأسباب المادية, ولهذا الذي يتبع الحق في زمن ضعفه يقدم على من يتبع الحق في زمن قوته, لهذا الذين أسلموا وهاجروا وأنفقوا قبل الفتح أفضل ممن جاءوا بعد ذلك, الذين أسلموا قبل الفتح على مراتب: أفضلهم البدريون, ثم يليهم الأحديون, الذين شهدوا أحدًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم يليهم بعد ذلك الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة, ثم أفضل هؤلاء العشرة المبشرون بالجنة, وأفضل العشرة الخلفاء الراشدون الأربعة, وأفضل الأربعة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي بن أبي طالب عليهم رضوان الله, وعلى هذا استقر قول أهل السنة، وكان تفضيل أحد من الصحابة على أبي بكر معدومًا, ولا يقول به أحد ينتسب للإسلام في الصدر الأول, ولا في زمن التابعين, ينتسب أحد للإسلام في ذلك, وإنما نشأ بعد ذلك, أول ما بدئ فيه بتفضيل علي على عثمان، ثم بتفضيل علي على عمر، ثم بتفضيل علي على أبي بكر، ثم بتفضيل علي على رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم في تأليه علي وجعله ربًا, وبهذا تندرج البدعة وتعظم وتتفاقم؛ كما هو عند طوائف من أهل الرفض.