فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 76

واعتقاد, ولا يوجد فيه عمل؛ كحال الإنسان الذي يصلي المغرب ركعتين وفي وقتها ومع الجماعة ولكنه انصرف من الثانية؛ هذه صلاته صحيحة أو ليست بصحيحة؟ صلاته ليست بصحيحة, يقول: هذا الوقت ونويتها المغرب, نويتها قصدًا, وكبرت مع الناس لسانًا, ولكن العمل انتفى, لا تصح له, وليست هي المغرب, يقول: هي صلاة, نقول: هي صلاة لكن ليست صلاتنا, هل أدى الواجب وأسقطه؟ ما أسقطه, يبقى الحكم في أنه وجود هذه الصلاة كعدمها, ما هو العمل الذي إذا انتفى من الإنسان ينتفي منه الإيمان؟ ليس العمل الذي دلت عليه شريعة سابقة ولم يختص بشريعة محمد عليه الصلاة والسلام أو دل عليه الطبع والفطرة, كثير من الناس يربط مسائل الإيمان ربما بالعاطفة, يقول: فلان باذل ويحسن ويفعل ويعالج المرضى ويؤوي الناس ويكفل الأيتام والأرامل ويرعى المساكين والفقراء ويشيد المساجد وغير ذلك؛ هل هذا نحن بحاجة إليه؟ لا, لسنا بحاجة إليه, نريد من ذلك هو ما اختصت به شريعة محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل الخصوص؛ لأن كفار قريش كانوا يعمرون المسجد الحرام, ويسقون الحاج, ويقرون الضيف, ويغيثون الملهوف, ويعينون على نوائب الحق, ومع ذلك ما كانوا مؤمنين؛ لانتفاء العمل الذي اختصت به شريعة محمد من أقوالهم وأفعالهم فامتنع عنهم حينئذ الإيمان.

إذا اختل هذا التقرير في فهم الإيمان تختل لوازمه وورد لدينا من يقول بأن العمل شرط كمال, أخرجه من دائرة الثبوت إلى دائرة الزيادة والنقصان فجعل له حكمًا واحدًا, فأضعف جانب الثبوت في العمل واستقام معنا في الاعتقاد والقول, أما من جهة عمل الجوارح فاختلت لديه إثباتًا فتختل به نفيًا, ولهذا نقول: الذي يقول أن الذي يسجد للصنم لا نكفره حتى نرجع إلى نيته؛ كحال الإنسان الذي إذا انتقض وضوئه من الركعة الثالثة يقول: لا نبطل صلاته حتى نرجع إلى الركعة الأولى والثانية هل هي صحيحة أم لا, هل هي صحيحة؟ لا تصح؛ لأننا نتكلم على صلاة مغرب, ما نتكلم عن ركعة أولى أو ثانية, لا ندخل في دائرة التجزئة, إذا دخلنا في دائرة التجزئة وقع لدينا الخلل, ولهذا عقيدة أهل السنة والجماعة أن الكفر والنقض للإيمان بهذه الأشياء إذا وقع على واحد منها المبطل أبطلها جميعًا؛ لأن حقيقتها واحدة لا تركب, ويتولد لدى هذا الغلاة في المرجئة وغلاة الإرجاء الذين بعد ما أخرجوا العمل جاءوا إلى القول أيضًا, فقالوا: إن الإنسان إذا قال كلمة الكفر لا نكفره حتى نرجع إلى نيته ماذا يقصد, فورد لدينا من يقول: إن سب الله لا يخرج من الملة حتى نرجع إلى قلبه؛ هل تريد بالله ذمًا أو هذا يجري على لسانك جريان من الكلام المعتاد؟ لسنا بحاجة إلى هذا, بل منهم من رجع إلى جانب التصديق القلبي, إلى جانب الإيمان في القلب, فنقض العمل ونقض القول وذهب إلى أمر القلب, وقال: كل من عرف الله فهو مؤمن, يلزم من ذلك أننا لو سمعنا كلمة الكفر لا نعتد بها, وفعل الكفر لا نعتد به ما وجدت المعرفة القلبية, على هذا إبليس لديه معرفة قلبية, وفرعون لديه معرفة قلبية, وكفار قريش لديهم معرفة قلبية, فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33] , وفي قوم فرعون وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14] , جحدوا, دفنوا الحقيقة, موجودة في قلوبهم لكن مدفونة, مدفونة بمعنى: لم تظهر في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت