فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 76

عليه وسلم, الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] , والله سبحانه وتعالى في استوائه نثبته من غير أن نكيف أو نشبه أو نعطل, فالله عز وجل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير, من اختل لديه باب علو الله سبحانه وتعالى فيختل لديه تبعًا مسألة الاستواء على العرش, ولهذا نقول: كل من نفى علو الله سبحانه وتعالى على خلقه فيلزم من ذلك أن ينفي استواء الله عز وجل على عرشه على الحقيقة, وعلو الله سبحانه وتعالى على خلقه على نوعين:

النوع الأول: علو ذات, وذلك لأن الله عز وجل فوق السماء السابعة على عرشه مستو سبحانه وتعالى, وهذا هو المقصود بعلو الذات.

وأما النوع الثاني فهو: علو القدر وعلو والمنزلة, وذلك لكمال المعاني فيه سبحانه وتعالى, وذلك بكمال الرحمة واللطف والقدرة والعزة التمكين وغير ذلك, فالله سبحانه وتعالى عالم في كل هذا على خلقه سبحانه وتعالى, الله جل وعلا مستو على عرشه بائن من خلقه.

قوله:"بائن", أي: يريدون بذلك نفي الممازجة بين الخالق والمخلوق, وهي عقيدة الاتحاد والحلول, الذين يقولون بأن الخالق هو المخلوق, وهذا شيء من تناسخ الابتداع الذي يكون عند أهل الضلال, وذلك أن البدعة تولد بدعة, فتبدأ البدعة يسيرة ثم تغلظ حتى تكون كفرًا, ولهذا نقول: إن البدعة التي تولدت عند بعض الطوائف من الاتحادية الحلولية الذين لم يفرقوا بين خالق ومخلوق أن هذه نشأت لديهم بشيء من اللوازم لها من أصل الابتداع؛ وذلك كالذين يقولون بأن الإنسان مجبور, ثم يأتي بعد ذلك إجبار على المعصية, هل ما يقع من الإنسان معصية, ثم كيف يكون جنة أو نار أو نحو ذلك, فأخذوا يتسلسلون في باب النفي, حتى دعاهم ذلك إلى عدم التفريق بين الخالق والمخلوق, إذا جبر الإنسان غيره وتصرف به تصرفًا كاملًا ولا اختيار له في ذلك, فيلزم من ذلك أن الخطأ الذي يقع منه ينسب للجابر له, وعلى هذا ينبغي أن ينظر إليه إلى أنه ليس بخطأ, وإنما هو صواب, فتأول النصوص الواردة في ذلك, وطائفة تقابل هؤلاء الذين على ما تقدم ينفون صلة الخالق بالمخلوق إلا في أمر الخلق والإيجاد, قالوا: فأوجد ثم ترك, وهؤلاء هم المعتزلة, والذين توسعوا في هذا الباب من العقلانيين, وأصبحت مدرسة موجودة عند الفلاسفة, بدأت من أرسطو وأفلاطون وسقراط ثم استمرت عند هؤلاء, أخذها بعض المنتسبين إلى الإسلام وذلك ممن يسيرون على منهج أرسطو في هذا الباب, وذلك ممن يسمون بالمشائين من الإسلاميين؛ وذلك كابن سيناوابن رشد والكندي والفارابي وغيرهم من الذين يسيرون على هذا المعنى, يسمون بالمشائين الإسلاميين, يعني: منتسبين للإسلام جروا على طريقة المشائين من أصحاب أرسطو , وذلك أن أرسطو إنما يعلم أصحابه وهو يمشي, فمن يمشي معه وهو يعلمه في ذهابه ومجيئه يقال لهم بأنهم المشاءون, يجري على طريقتهم هؤلاء الذين جروا على باب الفلاسفة ممن يسمون بالعقلانيين, المدرسة العقلية, وهذه المدرسة لما وجدت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت