فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 76

أصلًا حديثًا يعضدها في هذا الجانب وهي المدرسة العقلية الغربية من العلمانية واللبرالية وما ينتج عنها, أصبح ثمة تزاوج بين هؤلاء المشائين وبين المدرسة العقلية, فوجدت المدرسة العقلية الغربية لها توافقًا مع هذه المدرسة المنتسبة للإسلام, فاتفقت معها فأصبح ثمة تزاوج, وذلك بتهجين وتدجين تلك العقليات الغربية في بلدان المسلمين ما يتعلق بأصول العقيدة وتطبيقها أيضًا في أبواب الفروع, فأحدث ذلك رقة في التسليم للشريعة, فأخذوا ينقضون كثيرًا من الأمور باعتبار أن الإنسان أدرى بمصلحته وهو أعلم بذلك, وينقضون هذه الأشياء باعتبار عدم تدخل الخالق فيها, ثم وجد عند هذه المدرسة ابتداء من يأخذ التوسع في هذا الباب في جانب بعد الدين عن السياسة, لا علاقة له باعتبار أن الدين إنما هو قائم معنوي في ذاته, لا علاقة له في كيان الدولة, يقوم في بعض الأفراد, فيبدءون بفك هذه الأشياء ما يبقي روح الإسلام في الفرد, هؤلاء أشد بعدًا من الجهمية في هذا الباب.

يقول:"بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا كيف".

الله جل وعلا في استوائه على عرشه على ما تقدم, استوائه لازم لعلوه جل وعلا في ذاته, والله سبحانه وتعالى في السماء, والنبي صلى الله عليه وسلم لما سأل الجارية السوداء, قال: (أين الله؟ قالت: في السماء, قال عليه الصلاة والسلام: اعتقها فإنها مؤمنة) , فجعل إثبات العلو لله إثبات لربوبية الله وحقه في العبودية, وأن الرب الذي ليس في السماء ليس برب محمد صلى الله عليه وسلم, ولا يكون أيضًا من أهل الإيمان من لم يثبت أن الله عز وجل عال على خلقه, وضل في مسألة العلو طوائف, منهم الغلاة الذين لم يفرقوا بين علو وسفول, وهؤلاء هم غلاة الجهمية الذين خلطوا بين الخالق والمخلوق, ولم يفرقوا بين علو وغيره, وهذا دفعهم إلى ذلك شيء من اللوازم أيضًا بإثبات العلو, قالوا: إذا أثبتنا العلو لله سبحانه وتعالى فيلزم من ذلك خلو معيته لعباده, وجرى على هذا طوائف, ومنهم من غلا في هذا؛ كبشر المريسي , حتى كان إذا سجد يقول: سبحان ربي الأسفل, تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا, يعني: أنه يرى أن هذا هو الحق, فكما أنَّا نصف الله بالعلو وكذلك أيضًا الأسفل على سبيل المكان لا على سبيل المعنى, فهو في ظاهر حاله أنهم يرون تنزيهًا لله سبحانه وتعالى أن يخلو منه مكان أو معية أو تصرف أو غير ذلك, ولا شك أن هذا من الجهل، وسبب ذلك هو ما أشار إليه المصنف بإيراد هذا الدليل, قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] , وذلك أن الإنسان إذا عرف عقله وحدوده في الإدراك أدرك أن عقل الإنسان هو أداة لحمل ما يرى وما يسمع, فما يصل إلى الإنسان يضعه في عقله, العقل لا يوجد شيئًا لديه من غير الخارج منه, ولكن يورد المعلومات من خارجه ثم يضعها, يوردها عن طريق حواس الإنسان الخمسة والحاسة السادسة, وذلك بالسمع أو البصر أو بالشم أو بالذوق أو بالحس, وذلك أن الإنسان برؤيته يرى الأجرام, يرى الكبير والصغير والألوان ويميزها, العالي والمنخفض وغير ذلك, فهذا من منافذ الإدراك التي تصل إلى العقل, السمع يعرف الأصوات وتنوعها, وكذلك أيضًا يعرف أصنافها وقويها من ضعيفها وغير ذلك, فالسمع حاسة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت