ومع ذلك: من تأمل ونظر في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، علم علمًا يقينيًا قطعيًا، أنه لم يكن يهنأ أحدًا منهم بأعيادهم ولم يفعله أحد من المسلمين, ولم يقع ذلك من أحد من الصحابة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو التابعين بعدهم.
حتى لو تتبعنا السير لا نجد أن أحدًا من نساء المؤمنين ولا أطفالهم شاركوهم ولا هنئوهم في أعيادهم، لأنهم عرفوا ما لم يعرفه كثير من المسلمين اليوم, لقد عرف الصحابة الكرام ونساؤهم وأبناؤهم أن الأعياد من شعائر الأديان فلم يهنئوهم بها, عرفوا أن تهنئة الكفار بأعيادهم من الموالاة المحرمة فكفوا عن ذلك ولم يفعلوا, بل عرفوا أنهم على طريق الجنة والصراط المستقيم، وأن أولئك الأقوام على طريق الكفر والضلال واللعنة والغضب والنار، فكان لسان حالهم أن لا نسبة بيننا وبينهم، ولا يمكن أن نقاربهم أو ندانيهم في شيء من شعائر دينهم ومنها أعيادهم الملعونة.
نعم: ثبت وجود التعامل في أمور الدنيا الاعتيادية مع الكفار, كالمبايعة، والمخالطة في الأسواق وفي البلاد، وفي السكنى والمجاورة، وكثير من الأحكام, وهذا يدلل أن وجودهم كان حاضرًا بين المسلمين, ولم يثبت أبدًا أي تهنئة لهم في أعيادهم، فهذا دليل على أن الصحابة - رضي الله عنهم - علموا وأيقنوا أن أعياد المشركين جزء من عقيدتهم، فكما لم يوافقوهم على عبادة المسيح - عليه السلام - أو عزير - عليه السلام - , أو تحريفهم للتوراة والإنجيل, أو إنكارهم لنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - , فكذلك لم يوافقوهم بالتهنئة ولا بغيرها في أعيادهم، لأنها من دينهم وشرعتهم، فهذا كان حالهم - رضي الله عنهم -، وهذا ما نسميه دليل الواقع, ثم خلف من بعدهم خلوف من التابعين استقاموا على الطريقة فلم يهنئوا الكفار في أعيادهم؛ ولم يصلوهم فيها؛ حتى جاء هذا الزمان؛ بما فيه من آلام وأحزان؛ فلم يقف الحال عند عوام المسلمين وحكامهم المتسلطين على الحكم المنحين الشريعة بأن يهنئوا الكفار بأعيادهم ويشاطرونهم الفرح والسرور, بل سرى بين بعض المنتسبين زورًا وبهتانًا للعلم؛