الصفحة 116 من 202

نظرة على واقع الحال في العراق آنذاك فيذم سياسة الحكومة البائدة ويشهّر بتنكرها لمصالح الشعب وخدمتها لمآرب الأجنبي"."

من المؤكد أن ذلك الناقد لا يقوم بأي من الأعمال المطلوبة من ناقد أدبي، فهو لا يشرح الشعر ولا يفسره ولا يحكم عليه ولا يبين قيمته الجمالية، فضلًا عن أنه لا يقوم بتحليل بناه اللغوية أو صوره، وهو في ذلك لا يصل حتى إلى مستوى النقاد التقليديين الذين يستعيرون عبارات السابقين ويطبقونها على اللاحقين، وإنما يكتفي باستعراض التاريخ، فهو مستعرض تاريخي يتحدث عن وقائع معينة، وعندما يورد أبياتًا فإنه يوردها لأنها قريبة من تلك الأحداث والوقائع، فهي مجرد شواهد على أحداث، وهو في ذلك لا يتجاوز مهمة المؤرخ، بل إنه مؤرخ تتسم كتاباته بالإنشائية المدرسية البعيدة عن روح العلم.

فهل يصح لنا أن نضع مثل هذه الكتابة تحت تسمية (السياقية) ؟ إننا نضعها هنا تحت تلك التسمية من باب التجوّز، لأن السياقية تستهدي بالعلم، ومثل هذه الكتابة لا علاقة لها بالعلم، وإنما تكتفي من السياقية بجزء منها، وهو الجزء المتعلق بالحديث عن السياقات الخارجية، أما علاقة تلك السياقات بالنص الأدبي فهي غائبة تمامًا هنا.

وتقترب من هذا المنحى في الكتابة كتابات محمد شرارة (6) ، الذي، وإن امتاز من زميله العبيدي بجمله القصيرة، يشترك معه في الميل إلى الإنشاء، بالمفهوم المدرسي، فهو يقول عن الروح العاطفية إنها:"حلوة تهزَّ الأوتار، وتداعب الخيال وتستثير الحنان في النفوس، ولكنّ حلاوتها في ظروف خاصة، في نزهة تشعر النفس فيها بالحاجة إلى الغناء، في ليل يرق به النسيم وتتلألأ النجوم ويسكب القمر خيوطه على الربى والأودية والسهول، في زورق يمشي على وجه الماء والبحر ساج، في هذه الحالات وأمثالها يختلج الشعر العاطفي (7) . وهو في هذه المقالة المسماة (الروح العاطفية في شعر الرصافي) يؤكد أن الرصافي عرف:"أكثر ما عرف بشعره الاجتماعي أو السياسي أما شعره العاطفي فقلما يذكر أو قلما يعنى به"."

ولكنَّ الناقد نفسه لا يتحدث عن شعر الرصافي العاطفي وإنما يكتفي بتلك العبارات الرومانسية التي سقناها وكأنه يتصور أن تعليقه (العاطفي) على قصيدة الرصافي يجعلها عاطفية.

ومحمد شرارة مثل زميله العبيدي تمامًا في تناول تاريخ الشعراء، إذ يتناول في مقالته (الجواهري شاعر الكفاح) النضال الوطني للعراقيين منذ احتلال هولاكو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت