الصفحة 124 من 202

غربية الصور غربية الاستعارات غربية الروح غربية الجو حتى لتكاد تكون غربية الاحساس أيضًا، فكأنَّ صاحبها رجل غربي من انجلترا أو أمريكا يعرف شيئًا من العربية ... ونعيمة لا يملك اللغة القوية المتينة النسيج، ولا يملك من مفرداتها إلاّ النزر اليسير، وهو لا يجيد ترويض القوافي المطمئنة الوادعة، فكيف يعرف ترويض القوافي المستعصية الجامحة، أما القلب فلا أثر له في شعر نعيمة، وما قيمة الشعر إذا خلا من دموع القلب وشهقاته وضحكاته وقهقاته (22) "."

وعلى الرغم من أن حارث طه الراوي أخبرنا في بداية مقالته أنه لا يريد الاتكاء على آراء غيره من النقاد بل الاعتماد على ديوان ميخائيل نعيمة الأول والأخير: (همس الجفون) لم يورد لنا في ذلك المقال أيًا من قصائد نعيمة أو أية مقاطع تؤكد أحكامه التي قررها سلفًا، ولهذا لا يمكن لقارئ أن يقتنع بأحكام غير معللة ولاسيما إذا ارتبطت تلك الأحكام بقرارات قطعية يجزم بها الناقد أن شعر نعيمة شعر غريب عن الشعر العربي وأن لغته ليست متينة وأنها تخلو من العاطفة.

بيد أن ذلك الناقد بعد أن قرر أحكامًا جازمة في ذلك المقال من غير أن يقدم لنا شواهد تثبت أحكامه، بدأ بالكشف عن مضامين قصائد ميخائيل نعيمة في الجزء الثاني من مقالته، فهو يقول:"إن شعر ميخائيل نعيمة يحوم حول ما نراه نحن محورين وما يراه محورًا واحدًا، فنحن نرى أن شعره يحوم حول ذاته وحول الذات الإلهية ... إنه يؤمن إيمانًا راسخًا بوحدة الوجود ويؤمن بالتقمص أو مايسمى بتناسخ الأرواح ... ومن مظاهر وحدة الوجود في شعر نعيمة:"

ايه نفسي! أنت لحنٌ فيَّ قد رنَّ صداه

وقّعتكِ يدُ فنانٍ خفّيٍ لا أراه

أنت ريحٌ ونسيمٌ أنت موجٌ أنتِ بحرُ

أنت برقٌ أنتِ رعدٌ أنت ليلٌ أنتِ فجرُ

أنتِ فيضٌ من اله (23) "."

وبعد أن توصل إلى تلك القضية المضمونية المحددة التي كشفها في شعر الشاعر إلا وهي وحدة الوجود بدأ يناقش تلك القضية من جوانبها النفسية ويلتمسها في شعر الشاعر، ومن الواضح أن الناقد كان لديه اتجاهان نقديان في مقالة واحدة، الاتجاه الأول اتجاه حكمي تقديري عام لا يستند إلى أدلة وبراهين، والاتجاه الثاني سياقي يبحث في مضامين شعر الشاعر، غير أنه كان يمتاز من النقاد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت