الصفحة 129 من 202

نزولًا عند نزوع شائع لدى أغلب النقاد المثقفين من أن تحليل المضامين الوطنية والقومية لابد من أن يأخذ مكانة الصدارة لكي يوضع الناقد نفسه في خانة المدافعين عن مثل هذه القضايا، فلن نستطيع التماس مثل ذلك العذر بعد سنوات كثيرة، ونحن نراه لا يتجاوز في نقده عرض مضامين القصائد.

ففي مقالة له عن شعر حسين عبد اللطيف يكتفي الكبيسي بالحديث عن أنواع الطيور الواردة في إحدى القصائد ليقرر أن:"رهط الطير هذا كما يلاحظ، أما نوع من نوع الطير الفرح المبهج الجميل، وأما القوى الضارب، وليس بينها الطير المشؤوم الكالح الخائر كالبوم والغراب والنداب" (35) .

وبدلًا من أن يفسر لنا ذلك الأمر تفسيرًا نقديًا تحليليًا نراه ينساق إلى الصياغة الإنشائية التي تنثر أبيات القصيدة كقوله:"فإذا كان العراق قد امتلك وحقق أعجوبة العالم السابعة بـ (جنائنه المعلقة) فهو الآن يدوّن معلقة العرب الثامنة تصطف إلى جانب المعلقات السبع شموخًا وزهوًا إلى جنب الخزامى في كل احتفال، فبالعراق اليوم يبدأ ويختتم النشيد، لماذا؟ لأن العراق الآن ينتفض برقًا ورعدًا، والآن تخضرّ الرياح على المدى ألقًا ووردًا".

إن هذه التعبيرات الإنشائية تدل على أن الناقد عندما يعجز عن تحليل النصوص الشعرية فإنه يلوذ بلغته القادرة على أن تملأ بياض الورقة بأي كلام لا ينفع ولا يضر، وهي مزية لاحظناها عند أوائل النقاد السياقيين الذين نشروا مقالاتهم النقدية بعد عام 1958، وقد تتكرر عند نقاد آخرين.

وإذا كان طراد الكبيسي يقرُّ بأن:"النظرة التي تقوم على أساس المضمون في تقويم الشعر، لم تعد مقبولة، إن لم تكن خاطئة ومضللة" (36) ، نراه في أغلب مقالاته ناقدًا مضمونيًا، كما لاحظنا ذلك في النصوص السابقة، وكما يمكن أن نلاحظ ذلك في مقالات أخرى مثل تناوله مضمون القرية والمدينة في شعر علي الطائي (37) ومثل عشرات النصوص النقدية الأخرى.

ونحن نرى أن من الطبيعي أن يُعنى الناقد في مرحلة ما بالمضامين على هذا النحو، ولكن تطوّر ثقافة الناقد والتطور المتصاعد للحركة الثقافية كفيلان بتغيير الرؤى النقدية، وطراد الكبيسي نفسه يقر بأن اتجاهه النقدي تطور من المنهج الواقعي النقدي في الستينات، إلى عدم التقيد بمنهج محدد، إلى الإفادة من المنهج البنائي في الثمانينات (38) . ولكننا لا نرى مثل تلك التطورات المنهجية فيما وقفنا عليه من نصوص نقدية لذلك الناقد، باستثناء عدد من المقالات التي سنشير إليها لاحقًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت