الصفحة 131 من 202

الصائغ يقرر أن الصائغ:"لم يستسلم لسلطان الفكرة المجردة والصراخ العالي للنبرات الخطابية، بل حاول أن يقدم رؤيته وأفكاره عبر الصورة الشعرية أو خلال حركة درامية، أو موقف حسي ملموس، والشاعر في جميع قصائده تقريبًا يتحدث بصوت المتكلم (صوت الشاعر الأول) وهو مايجعل قصائده ذات نفس غنائي عام، إلا أن غنائية الشاعر ليست تلك الغنائية الرومانسية المسرفة، بل هي غنائية معاصرة تفيد كثيرًا من تجربة الشعر الموضوعي والدرامي".

وهنا نجد تباينًا واضحًا بينه وبين أسلافه من النقاد السياقيين ممن تناولنا مقالاتهم في المبحثين السابقين، فهو يعلل أمورًا فنية محددة ويستنبط ملاحظات نقدية من شعر الشاعر، كتفريقه بين النبرة الخطابية والتعبير بالصور، وكشفه عن أن الشاعر يتحدث بصوت المتكلم وهذا مايجعله شاعرًا غنائيًا، إلا أنّه وهو يتناول تلك الأمور الفنية لا يقدم استشهادات من الشعر تثبت مايذهب إليه من استنباطات، على عكس استشهاداته الكثيرة عندما كان يتحدث عن مضامين قصائد الشاعر.

لقد كانت العناية بمضامين القصائد واحدة من أهم السبل الني انتهجها النقاد السياقيون لدراسة الشعر العربي الحديث، وتباينت تلك المضامين التي وجه لها النقاد عنايتهم من الهموم العامة للمجتمع والأحداث التاريخية التي مرت عليه، وإلى موضوعات محددة عند الشعراء إلى المضامين الأسطورية التي أفاد منها الشعراء لإغناء رؤاهم الشعرية.

وكان محمد الجزائري (42) واحدًا من أولئك النقاد الذين كتبوا عن الاستخدام الأسطوري في الشعر، وتناول الجزائري قضية الأسطورة في شعر السياب للإجابة عن سؤال مفترض مفاده:

هل كان استخدام السياب للأسطورة استخدامًا إبداعيًا؟ ومن أجل الإجابة عن هذا السؤال الافتراضي قدم أمثلة من نصوص السياب الشعرية ليبني عليها أحكامه، ومن تلك الأمثلة مقاطع من قصيدة: (مدينة بلا مطر) :

"مدينتنا تؤرق ليلها نار بلا لهب"

تحمّ دروبُها والدورُ ثم تزولُ حمّاها

ويصبغها الغروب بكل ماحملته من سُحبِ

فتوشكُ أن تطيرَ شرارةٌ ويهبُّ موتاها:

صحا من نومه الطينيّ تحت عرائش العنبِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت