الصفحة 132 من 202

صحا تموزً، عاد لبابل الخضراء يرعاها

وتوشكُ أن تدقَّ طبولَ بابل، ثم يغشاها

أنينُ الريح في أبراجها وأنينُ مرضاها" (43) ."

ومن جملة مايعلق الناقد على تلك القصيدة قوله:"يضعنا الشاعر منذ بداية القصيدة في جو من التوتر القلق المكفهر، إنه النذير بالثورة، فالمدينة معذبة (تؤرق ليلها نار بلا لهب) وتتسّع حمّاها لتشمل الدروب والدور وتوشك طبول بابل أن تدقّ ..."

السياب يقيم عالمًا كاملًا ويُجري أحداثًا وصلوات وترانيم ويطلق أحكامًا، ذلك من خلال البناء الأسطوري لرمز عشتار ... السياب هنا يحوّر في مهمة عشتار حسب الأسطورة ... إنه يجعل عشتار تفشل في مهمتها نتيجة تقاعس الناس عن تقديم التضحيات، هذه الشحنة الشعرية الجديدة التي يمنحها السياب للرمز الأسطوري بتحويره إياه، تجعله يتمثل الرمز الأسطوري تمثلًا إبداعيًا وفق سياق القصيدة وفضاء عصره وخطابه الفكري السياسي"."

ومن الواضح هنا أن الناقد يعبّر عن اتجاه سياقي معروف بوصفه معنيًا بالمضامين ذات المسحة الأسطورية، فهو يحاول كشف علاقة الرمز الأسطوري بالواقع المعاصر، من خلال الكشف عن التحويرات التي يجريها الشاعر في أصل أسطورة عشتار، فهي في أصل الأسطورة تقرر الهبوط إلى العالم السفلي لاستعادة روح تموز، الراعي الشاب الذي قتله خنزير بري فنزلت روحه إلى العالم السفلي، ولكن أختها ربة العالم السفلي تسجنها هناك، فتتعطل مظاهر الخصوبة على الأرض، فتكون الاحتفالات والطقوس سبيلًا إلى إخلاء سبيل عشتار وتموز ليعم الخصب والرخاء، ولكن السياب يبدل نهاية الأسطورةلكي تعبّر عن الواقع المعاصر، هذا مايريد الناقد أن يوصلنا إليه لكي يثبت أن تناول السياب للأسطورة تناول إبداعي، يخضع الأسطورة فيه إلى البناء الشعري الذي يريد إرساءه.

بيد أن ذلك الناقد يكتفي بتناول هذا المضمون الأسطوري من غير أن يلتفت إلى الجوانب الأخرى في شعر السياب: الصور، الموسيقا، اللغة، بل يتوصل إلى أن:

"السياب استخدم بجمالية أخاذة الجوهري في الأساطير وحوّرها وفق ديناميكية تفكيره وخروجه على تقاليد القصيدة الكلاسيكية .... السياب خرج على الدلالة التقليدية المتعارفة للرموز، عن جوهرها الثقافي إلى ما يتناغم مع تجربته"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت