الصفحة 139 من 202

مسؤولية موت أمه ثم جدته، وحمّل المرأة الأخرى جريرة اختطاف أبيه، وحمّل قبحه الجسدي سبب حرمانه ممن اشتهى أو أحب ... من كل هذا ظهر السياب مجنيًا عليه، ذبيحًا مضطهدًا .... وبكائية السياب في كل شعره نواح على بيئة لم تقدّره حق قدره"."

ويستنتج الناقد بعد ذلك أنّه:"على العكس مما يقوله المكتئب دائمًا في أنه بخير لو استطاع أن يتوافق مع الناس والحياة، فالسياب كان يرى أنه بخير لو توافق معه الناس والحياة ... ومن حسنات الحزن أن حالة الاستقرار الشعري عند الشاعر الحزين وضع لا يتحقق مهما جاهد في ذلك حتى يظل معذبًا لكي يظل شاعرًا ... ومن جميل القول أن نذكر أن الشاعر الذي يتبرأ من مسؤولية الذنب فيه، يحمل من النرجسية مايكفي لاتهام الآخرين خلاصًا من اتهامه ذاته".

نفهم من ذلك أن حالة الاكتئاب عند السياب كما قررها ذلك الناقد جرّت الشاعر إلى أمراض نفسية أخرى منها: الشعور بالاضطهاد والمازوشية التي تعني التلذذ بعذاب الذات وقد ألمح الناقد إليها بعبارة: يظل معذبًا كي يظل شاعرًا، والنرجسية وهي حب الذات إلى درجة العشق.

ولكن ماقيمة أن يدرس ناقد ما تلك الحالات المرضية عند شاعر ما إذا لم يضعها في خدمة تأويل شعره وبيان خفاياه النفسية؟ نلاحظ أن ريكان إبراهيم في النصوص المقتبسة السابقة قدم لنا خلاصات عن الشاعر، ولم يقدم إيضاحات من شعره تدعم تلك الخلاصات فهو لم يحلل الشعر، وإنما بيّن أمراضًا، وعلى هذا يكون قد قدّم لنا خدمة في فهم أمراض السياب النفسية إنسانًا، ولكنه لم يتبع ذلك بتحليل يتقصى فيه أثر تلك الأمراض في شعره.

ويبدو أن تلك المشكلة هي مشكلة المنهج النفسي، إذ يوجه عنايته إلى الظروف النفسية التي حددت مشكلات الشاعر من غير أن يعالج القضايا الفنية الناجمة عن ذلك النظر النفسي، وعلى ذلك يكون دفاع ريكان إبراهيم ضد التهمة الموجهة إلى المنهج النفسي دفاعًا في غير مكانه، لأنه يؤكد مايذهب إليه الموجهون سهامهم إلى النقد السياقي عامة والنقد النفسي منه خاصة، فهو يكتفي بدراسة الأعراض المرضية ولا يتجاوز ذلك إلى بيان علاقة تلك الأمراض بالقضايا الفنية عند شاعر ما.

ومن الطبيعي القول إن قصور المنهج النفسي في فهم الفن قصور يعترف به أعلام علم النفس، ومدارس التحليل النفسي المختلفة وقد مرّ بنا اعتراف فرويد بأن التحليل النفسي:"لا يستطيع أن يدرس الإنسان من حيث هو فنان، وليس في"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت