الصفحة 140 من 202

قدرته أن يطلعنا على طبيعة الإنتاج الفني" (61) . وكما مر بنا اعتراف يونج بأن المنهج الذي:"يمكن الوصول عن طريقه إلى حقيقة الفن لابد أن يكون منهجًا فنيًا" (62) ."

غير أن ريكان إبراهيم قد يتمكن أحيانًا من وضع خبراته المكتسبة من علم النفس في تفسير ظاهرة شعرية محددة، وهي ظاهرة تفاوت جودة الأبيات الشعرية في القصيدة الواحدة، إذ يفسر تلك الظاهرة على أساس عمل الوعي واللاوعي:"لأن الإبداع في البيت يعني تحقيق الفرصة لتعطيل الوعي وظهور القدرة الهائلة لللاوعي في إنتاج الإبداع، ولما كان هذا الكفّ لحالة الوعي أمرًا صعبًا في الزمن والتكوين الفسلجي، أصبح بعد ذلك اللاشعور مهددًا على الدوام بعودة الأثر الحسي الواعي نحو عرقلة الإبداع" (63) .

فهو هنا يقرر ارتباط العملية الإبداعية باللاوعي الذي هو مكمن العمليات الإبداعية كما قررها أقطاب التحليل النفسي ومنهم فرويد، ولكنه في تفسيره لظاهرة التفاوت في جودة الأبيات ينجرف إلى تحكيم ذوقه الشخصي بعيدًا عن التفسير العلمي لتلك الظاهرة، فيقرر أن:"القصيدة التي تحمل وحدة الموضوع غالبًا ما تفتقر إلى السمو الإبداعي في كل أبياتها، لأنَّ لغة القصّ تغلب عليها فتتبلد الصورة الفنية".

إن تقرير قضية السمو الإبداعي قضية جمالية صرف لا تستطيع آليات علم النفس أن تفسرها، ولذلك لجأ الناقد إلى تحكيم ذوقه الشخصي ليقرر أن وحدة الموضوع من شأنها أن تضعف السمو الإبداعي، في حين أن الناقد الفني قد يستطيع أن يجد تسويغًا للأبيات الضعيفة من أن دورها دور تكميلي لإنجاز البناء الفني في القصيدة، إذ أن القبح نفسه قد يكون له دور مهم في بناء القصيدة الفني على مايرى ذلك أغلب نقاد الحداثة.

وإذا ما غضضنا النظر عن مثل تلك الملاحظة، فقد نجد ملاحظات نقدية نفسية ذكية لدى ريكان إبراهيم، ومنها ما وجدناه في مقالة يقول فيها:"في المنهج النقدي النفسي طالبنا بظهور القصيدة التي لم تكتب بعد، وعددنا القصيدة النفسية شعرًا لم يظهر بعد، أن القصيدة التي يوظفها الشاعر الحديث عن مرض نفسي أوعرض في النفس يعرف ماهيته سلفًا ... هي ليست القصيدة المطلوبة .... الذي أريده هو الشاعر الذي يتحدث عن علة لا يدري أنها علّة أصلًا فنكشفه نحن ونكتشفها نحن" (64) .

ثم يضرب بقصيدة (العار الذي نتقيه) لأمل دنقل في ديوانه (مقتل القمر)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت