الصفحة 145 من 202

ولكنه يسوق في آخر المقال حكمًا نقديًا إذ يلمح إلى غياب الشعر في ديوان الياسري الأخير بقوله:"وإذن فقد كان عيسى الياسري أن يجد مملكته الحقيقية في الشعر الذي أصبح آخر المحتفى بهم في هذا الديوان". ولا يبين لنا الناقد معياره الذي بنى عليه ذلك الحكم، فالمقدمات التي ساقها تبيّن عنايته بالمضامين، وحكمه الأخير حكم شخصي انطباعي لم يقدم له أية مقدمات سوى حديثه عن احتفاء الشاعر بمضمون القرية.

ولأن عرض مضامين الشعراء أيسر السبل إلى كتابة النقد يلجأ حاتم الصكر إلى هذا العرض كلما أراد أن يكتب مقالة نقدية، وذلك في أغلب الأحيان، سواء في بداياته النقدية كما لاحظنا ذلك عند حديثه عن شعر حجازي، أو في مراحل لاحقة كما نلاحظ ذلك في حديثه عن شعر عبدالمطلب محمود، فهو يتحدث في مقالة طويلة عن موضوعات محددة عند الشاعر: عوالم الطفولة والغناء في الشعر ورثاء الشهداء والحب والوطن، ولا يتناول فن الشاعر إلاّ بأسطر محدودة وردت في آخر المقال. (71) .

بيد أن الصكر في مرحلته النقدية المتأخرة التي بدأ يزاوج فيها بين الاتجاهات السياقية والاتجاهات النصية قدّم انتاجًا نقديًا غزيرًا لابد لنا من الوقوف عنده في الفصل القادم.

ويعدّ علي العلاق واحدًا من النقاد الذين يعنون بالقضايا الفنية في الشعر وإن تناولوا سياقاتها الخارجية، وفي دراسته للرموز عند السياب نجد هذا الاتجاه إلى المزاوجة بين ماهو فني وبين التعليلات السياقية: النفسية منها والاجتماعية واضحًا، يقول في تلك الدراسة:"إن ما نجده متفردًا من رموزه .... لايتمثل إلاّ في تلك الرموز الشخصية التي أكثر السياب من تكرارها في مختلف قصائده ... كان السياب منتج رموز خصبًا وكانت رموزه الشخصية ثرية لكنها متجاورة ... كثيرة هي رموز السياب: جيكور، بويب، وفيقة، منزل الأقنان، حفار القبور، الحسن البصري، المخبر، المومس العمياء، لكن رموزه الثلاثة الأولى تظل أهم رموزه الشخصية وأكثرها ترددًا في شعره" (72) .

ثم يعدد أسباب تعلق السياب بتلك الرموز ومن تلك الأسباب كما يرى العلاق:"لم يكن افتتان السياب بهذه الرموز ترفًا أو لهوًا، لقد كانت جميعًا تلبي حاجة نفسية عاصفة: حاجة إلى الأم، إن إحساس السياب باليتم إحساس مريع، وهو مصدر لا يمكن إغفاله لإضاءة الكثير من محنته وعنائه الروحي والجسدي .... وهذه الرموز تمثل بالنسبة إلى الشاعر مأوى الأم سواء كان هذا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت