الصفحة 170 من 202

قصف، تدمير مقابل بناء وإرادة إنسان صامد، موت في مقابل حياة، وداخل هذا التوازي ينبجس التضاد"."

وحين يتوقف الجزائري عند ما يسميه (زهد اللغة) ويضرب على ذلك مثالًا بقصيدة يوسف الصائغ الآتية:

حين جاء المقاتل عند حدود الوطن

تحوّل جسمهُ في شجرهْ

راسخٌ جذرها في التراب

ومرتفع جذعها في السماء

وأغصانها مثمرة

يقرر أن:"المجاز الاستعاري يدفع بالصور إلى ذروة هرم، لا إلى تراكم طبقات ... الشاعر قدم بوعي محتدم راهن مدروس قصيدة موجزة، قصة في قصيدة".

ولم نطّلع، في المباحث البلاغية العربية القديمة والحديثة، على مصطلح (المجاز الاستعاري) وإنما المعروف أن المجاز ضربان: مرسل واستعارة، كما لم نر في ما اقتبسناه من تلك القصيدة استعارةً، وعلى هذا لم نجد صورًا استعارية تتدافع إلى ذروة هرم، بل على العكس من ذلك وجدنا صورًا متراكمة في تكملة المقطع:

هبِ الريحَ لم تنحنِ

شبّتِ النارُ، جاء العدو، تبدلتِ الشجرهْ

مدفعًا

والفواكهُ صارت قنابلَ والأرضُ من دونها مقبرهْ

فالصور المتكوّنة من تدافع الجمل الفعلية: شبت النار، جاء العدو، تبدلت الشجرة مدفعًا فضلًا عن الجملتين الإسميتين: الفواكه صارت قنابل، والأرض من دونها مقبره، كلها تدل على لحظة اشتداد القتال، وكانت جملةٌ موحيةٌ واحدةٌ تكفي للتعويض عن تلك الجمل الخمس، وعلى هذا لا نرى في كلام الجزائري إلا اجترارًا لمفردات لم يعرف مدلولاتها وإنما ساقته إليها رغبته في توليد الجمل، كما أن قصيدة الصائغ المشار إليها ليست مثالًا، واضحًا كونها (قصة في قصيدة) كما عبّر عن ذلك الجزائري، وإنما يمكن أن نجد أمثلة أخرى كثيرة من شعر الصائغ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت