الصفحة 177 من 202

ذلك توصل الناقدان كلاهما إلى أن التعارض بين المقطعين أو الوحدتين يعبّر عن تعارض بين فكرتي: الحياة والموت.

وأفاد الناقدان كلاهما من واحدة من نتائج التحليل النفسي كما عبر فرويد عن تلك النتيجة ونعني بها عقدة أوديب وذلك في إشارتهما معًا إلى الموت الذي يرمز إلى العودة إلى رحم الأم كما عبر فرويد عن ذلك.

وهذا الاهتمام بالتعارض بين الثنائيات الضدية في مضامين القصائد كان قد عني به حاتم الصكر أيضًا الذي لم يكتف بتبيّن دلالة هاتين الثنائيتين في القصيدة التي حللها خالد علي مصطفى ومالك المطلبي، بل ربط الصكر رمزًا آخر هو: جيكور برحم الأم الذي يحنّ السياب إلى العودة إليه.

يقول الصكر عن السيّاب:"ثمة قوسان كبيران يحتويان مفردات أيامه واهتماماته الشعرية، إنهما قطبان لا يتباعدان إلا ليلتقيا ثانيةً في حنين متبادل وهاجس أبدي إنهما: الرحم والقبر، وهنا لا يعنينا مدلولهما المحدد الذي قد يكون مساعدًا في اكتشاف الشبه، بقدر ما يهمّنا اكتشاف هذا الحنين إلى العودة ثانية إلى الرحم من خلال الموت" (43) .

واعتمادًا على نصوص السياب يتوصل الصكر إلى أن جيكور في شعر السياب:"أبعد من قرية ولد فيها الشاعر ... إنها حلم صعب تقوم من دونه بوابة وسور بينما هي وراءهما خضراء جميلة، رغم شمسها الحزينة، والمهم أن الشاعر يؤلف هذه الصورة من داخل المدينة التي لا يملك مخلبًا كي يصارع الآخرين في دروبها ... إنه الآن أمام هاجس العودة من المدينة- الغابة التي هي أكثر من كيان جغرافي، إنها حصار ثقيل يمتد حتى يغلق أمام الشاعر دروب جيكور ودورها:"

وجيكورُ من غلّق الدور فيها

وجاء ابنها يطرق الباب دونه

ومن حوَّل الدرب عنها

فمن حيث دار اشرأبت إليه المدينهْ؟"."

ويستتبع هذا التحليل لرمز جيكور بنتيجة محددة يقررها الصكر:"مؤداها أن الحياة هنا في المدينة، والهروب منها عودة إلى جيكور، ليس في الحقيقة إلا عودة إلى الرحم الأكثر أمنًا وسلامًا إلى الأم التي احتواها الموت المبكّر".

وهذه النتيجة هي نفسها التي سيتوصل إليها بعده ناقدان آخران هما خالد علي مصطفى ومالك المطلبي كما رأينا من قبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت